وقد بقي في مرتبة العشق كثيرون ؛ لأنه مقام قاب قوسين قبل الوصول إلى أو أدنى ، فإذا حصل الوصول إلى أو أدنى ، وتحقق الرجوع منه إلى قاب قوسين ؛ فهو صاحب قاب قوسين أو أدنى جميعا « 1 » وله الحقيقة الجامعة ، والمشهد الأعلى ، والمنظر
هامش
- يكن متعينا حال رؤية الشيء نفسه لنفسه .
وهذا سرّ ، من اطّلع عليه عرف سر الذوات ، والصفات والأحوال ، والمرايا والمحال ، وإن العالم بحقائقه وصوره مرآة للحق من وجه ، والحقّ من وجه آخر مرآة للعالم ، وقد نبّهت على الوجهين ، فتذكّر .
ثم اعلم أن أكثر الأولياء ، وكثيرا من الكمّل أدركوا الوجه الواحد من الوجهين المذكورين ، ورأوه الغاية ، ووقفوا عنده ولم يتعدّوه .
وطائفة منهم وقفوا عند الوجه الآخر ؛ وكلا الأمرين أبديّ الحكم واقع في كل زمان دون توقيت ومناوبة .
وذكر لي شيخنا وإمامنا رضي اللّه عنه بأخبار من الحق له ، ونص صريح أنه لا أعلى من هذا الذوق ، ولا أكمل منه في نفس الأمر ؛ فمن منحه فقد أدرك من الحق ما لا يمكن أن يدرك وينال أحد أتم منه ، فاعمل الهمّة ، وابذل المجهود ، فعلى مثل ليلى يقتل المرء نفسه .
وقد حصل لنا ذلك بحمد اللّه ومنه عناية وموهبة ، فاجتهد يا أخي في أن يحبك الحق لا غير ، فإنه إذا أحب الحق شيئا ناله وأناله ، وأما غيره فقد يحب ولا ينال ، وإن نال أمرا مما يحب فلا يقدر أن ينل غيره ما لديه ؛ لأنه قد لا ينقل ولا ينقال ؛ بخلاف الحق سبحانه فإنه على كل شيء قدير ، فافهم ، واللّه أعلم .
( 1 ) النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صاحب قاب قوسين أو أدنى : أي صاحب قرب اللّه منه ليلة الإسراء ، كقرب قاب قوسين بل أدنى من ذلك .
وألقاب : ما بين المقبض : أي المحل الذي يقبض القوس منه ، وقوسين بكسر السين وتخفيف الياء : أي محل عقد الوتر بالقوس ، وذلك أول الوتر ، فلكل قوس قابان ، وحينئذ ففي الكلام قلب ، والأصل كقابي قوس : أي كقرب أحد القابين من الآخر ، والتشبيه بذلك جريا على عادة العرب إذا أراد ، والمبالغة في قرب شيء من آخر .
وقيل : الكلام على ظاهره ، والمراد بألقاب : الجنس الصادق بالقابين : أي مقدار ما بين قابي القوس من المسافة . -