تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢

سورة المائدة

قال اللّه سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
[ المائدة : 6 ] . أيها السالكون مسلك الإيمان الشهودي بعد الإيمان الغيي ، قوله تعالى :
إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
[ المائدة : 6 ] إذا أردتم القيام إلى المعراج الحقيقي ، والتوجّه العلوي ، والوصل الكلي ، وفي ذلك دلالة على أنه لا بد من تحقق هذه الإرادة ، فإن سير الإنسان دوري لا مستطيل ، فمن نزل إلى أسفل سافلين ؛ وجب عليه أن يصعد إلى أعلى علّيين الذي تحرك منه إلى هذا العالم فكان ذلك كالوطن الأصلي ، ولا ريب ان الغريب يميل إلى وطنه . وأمّا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فطوبى للغرباء » « 1 » ؛ فالغرباء فيه : هم الغرباء الحقيقيون ، وهم الذي وصلوا إلى مقاماتهم العلوية الأصلية ، فكانوا بالنسبة إلى معارفهم أهل الأوطان ، وبالنسبة إلى غيرهم ، وهم كثيرون أهل الغربة إذ لا يعرفهم أحد إلا اللّه ، أو من عرفه اله أو ألحقه به في مقامه وهم قليلون ، فهم بالنسبة إلى أكثر الخلق غرباء ؛ لقلة معارفهم ؛ بل لا معارف للكمّل الندر في أعصارهم ، فهم المعلومون المجهولون فافهم جيدا . قوله عز وجلّ :
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
[ المائدة : 6 ] . : أي وجوه حقيقتكم ، وهويتكم عن أدناس التعلّقات الروحانية ، وأزيلوا عنها الحجب النورانية اللطيفة بدائها بالأمر بإزالة هذه الحجب ؛ لأنها أول ما احتجب به الحقائق ، والهويات في سيرها إلى عالم الخلق ، وعند هذه الحجب خلق كثير محجوبون محبوسون لا طريق لهم إلى خرقها إلا العناية الأزلية . وفي الغسل : إشارة إلى محو الهيئات النورانية التلوينية مطلقا ؛ ولذا قال اللّه تعالى :
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[ الواقعة : 79 ] : أي لا يسر سر الهويّة الذاتية إلا المطهّرون عن أدناس التعلّقات مطلقا . قوله عز وجلّ :
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ
[ المائدة : 6 ] .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 130 ) ، والترمذي ( 5 / 18 ) .