تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
فالتية أرض القدرة ، ومصر أرض الحكمة ، والمدة فيما بينهما من حيث القطع والوصول أربعون سنة ، فإن الداخل في عالم القدرة ؛ وهو أهل الفناء ، وإن خرج إلى عالم الحكمة ، وهو عالم البقاء ، فإن بقاءه لا يكمل له إلا في أربعين سنة ، أو في قريب منها على حسب ما يقتضيه استعداد كل فان وباق ، فإن الأكمل استعدادا قد يقوم له الأمر في أقل من مدة الأربعين سنة فصاعدا على ما شاهدته في شيخي الإمام الأكمل السيد عثمان الفضلي قدّس سرّه . فظهر أنه كما أن الدخول في مصر الصورة المتعلّقة بالأسباب لا يحصل إلا مدة أربعين ؛ ليأكل منها أنعامهم وأنفسهم الحيوانية ؛ فكذا الدخول في مصر الوجود بعد الفناء ؛ لا يكمل إلا في تلك المدة ؛ ليأكل منها أنعامهم ، وأنفسهم الإنسانية ، فأنعامهم أنفسهم المزكّاة ، وطبائعهم المصفّاة تأكل مما يأكل الناس من الأغذية الصورية ، وتكون لهم نورا في عروقهم ، وأنفسهم ، وأرواحهم المطهّرة عن دنس التعلّقات الفانية تأكل مما لا يأكله الناس من الأغذية المعنوية ، فهذا التمتّع من كلا الوجهين لا يحصل لهم إلا بعد الارتداد إلى عالم البقاء ، فإن عالم الفناء قد لا يقتضي الغذاء إذا كان الانجذاب قويا ، والشكر غالبا . قال اللّه تعالى :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
[ المائدة : 48 ] . اعلم أنه كما أن في الآفاق شرائع ومناهج بالنسبة إلى أهل الآفاق بها يتديّنون ، وعليها يجرون ، فكذا في الأنفس شرائع ومناهج بالإضافة إلى أهل الأنفس ؛ لأن المشارب مختلفة ، ومن عين الرحمة « 1 » تنوعت التجليّات ، واختلفت المشارب .
هامش
( 1 ) عين الرحمة هو رسول اللّه سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، الرحمة : عطف ، وميل نفساني غايتها التفضّل والإنعام . وجعل صلّى اللّه عليه وسلّم عين الرحمة : أي نفسها إشارة إلى أنها مزجت بذاته ، واستحال انفصالها عنه ، حتى كأنه هي ، وكأنها هو : أي ركب منها ، وطبع عليها ، وخلق منها ، كما قال تعالى :وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ[ الأنبياء : 107 ] يجوز نصب ( رحمة ) على الحال على أنها بمعنى اسم فاعل ، أو على حذف مضاف : أي ما رحمة ، أو مفعولا من أجله ، والعالمون قيل : الجن والإنس وعليه الجمهور ، وقيل : الملائكة ، وعليه غير واحد من المحققين ، ويدل عليه أيضا :لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً[ الفرقان : 1 ] . وعلى كلّ فهو رحمة للمؤمنين بالهداية والأمان ، وللكافرين بتأخير العذاب ، ولسائر الحيوانات ؛ لأن -
مرآة الحقائق — صفحة 175 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي