كما أن من وجد اللّه ، ففقدان الكل له وجدان ، فمن أراد ؛ فليرد اللّه تعالى ، ثم ليكن فانيا عن الإرادة كلها .
كما قال تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران : 28 ] ؛ فيكون المريد إذا هو اللّه تعالى ، فطوبى لمن كان مرادا محبوبا لم يتحرك إلا بتحريك مراده ومحبوبه ، وهو الذي يوحّد اللّه باللّه لا بالحضور معه ؛ يعني : اللّه يوحّد ذاته لا العبد بحضوره معه ، فليفهم وليتذكّر ، فإن اللسان يخترق من مثل نداء ، والقلم ينبئ عن بيانه وتحريره ، إذ ليس ذلك في وسعه .
واعلم أن العين اليسرى ، إشارة إلى الدنيا ، والعين اليمنى إشارة إلى الآخرة ؛ يعني : كل منهما ناظرة إلى ما خلقت هي له ، فإذا عميت الاحتجاب عن الخلق بالحق ؛ فتح اللّه العين التي هي لنفسه ؛ وهي البصيرة ؛ ولذا جعل العين متعددة ، والبصيرة واحدة ، كما يشير إليه قوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] .
فالذي يفتح عينه إلى اللّه تعالى لا ينظر إلى ما سوى اللّه تعالى ؛ لأن غيرة المحجوب ترتفع عن ذلك ، وتأبى عنه ، ومن عدم النظر لا يلزم المكابرة مع الربوبية ، إذ لكل جسد ما عمل ، ولكل روح ما عمل ، فكل من الدنيا والآخرة مطلوبة للكمّل أيضا ؛ لكن بلسان المرتبة لا بلسان الحقيقة .
فإن لسان الحقيقة مقصور على طلب اللّه تعالى ، ومن مشى على المراتب ؛ لم يعثر ، فلينظر الإنسان إلى طعامه : أي شيء هو طعام الدنيا ، أم طعام الآخرة ، أم طعام لا يجده واحدا إلا عند البيتوتة عن اللّه .
كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني » « 1 » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه أبو داود ( 2 / 309 ) ، والترمذي ( 3 / 148 ) .
( 2 ) قال العطار : وسمى بعضهم هذا المقام ، أعني ترك الطعام والشراب مدة تزيد على مدة الصيام من غير فاصل مفطر مع اشتغال من هذه الحالة حالته باللّه تعالى بأن يرجع إلى شهود الحق تعالى ، ولا يلتفت إلى الأغيار أصلا ، وتكون التجليات القدسية واردة على قلبه بحيث لا يلتفت إلى ما سواها بمقام .
قوله : ( بمقام ) متعلق بقوله : ( قبل ) وسمى بعضهم البيات ، وهو صلّى اللّه عليه وسلّم لحق بهذا المقام لهذا الحديث ، وما سنذكر بعده وما سواه من الكمّل يحصل لهم ظل ذلك ، كما ورد عن سيدنا عيسى وموسى -