المعذّبين فلا يرقّوا لهم ولأنّهم أقوى الخلق بأسا فلا يطاقون .
« وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً » ؛
أي : ما جعلنا عددهم إلّا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر . فعبّر بالأثر عن المؤثّر تنبيها على أنّه لا ينفكّ منه . وافتتانهم به لاستقلالهم له واستهزائهم واستبعادهم أن يتولّى هذا العدد القليل لتعذيب أكثر الثقلين . ولعلّ المراد الجعل بالقول ليحسن تعليله بقوله :
« لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » ؛
أي : ليكتسبوا اليقين بنبوّة محمّد وصدق القرآن لمّا رأوا ذلك موافقا لما في كتبهم .
« وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا »
بالإيمان به وبتصديق أهل الكتاب له . « 1 »
فإن قلت : لم قال :
« وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ »
والاستيقان وازدياد الإيمان دلّا « 2 » على انتفاء الارتياب ؟ قلت : لأنّه إذا جمع لهم إثبات اليقين ونفي الشكّ ، كان أبلغ وآكد لوصفهم بسكون النفس ، ولأنّ فيه تعريضا [ بحال ] من عداهم . كأنّه قال : وليخالف حالهم حال الشاكّين من أهل النفاق والكفر . فإن قلت : كيف ذكر الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون والسورة مكّيّة ؟ وإنّما نجم النفاق بالمدينة . قلت : معناه : وليقول المنافقون الذين يظهرون في مستقبل الزمان بالمدينة بعد الهجرة والكافرون بمكّة . ويجوز أن يراد بالمرض الشكّ والارتياب . لأنّ أهل مكّة كان أكثرهم شاكّين .
« مَثَلًا » .
تمييز لهذا أو حال منه . كقوله :
« هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً » .
« 3 » فإن قلت : لم سمّوه مثلا ؟ قلت : هو استعارة من المثل المضروب ، لأنّه ممّا غرب من الكلام وبعد ، استغرابا منهم لهذا العدد . والمعنى : أيّ شيء أراد اللّه بهذا العدد العجيب وأيّ غرض قصد في أن جعل الملائكة تسعة عشر لا عشرين سواء ؟ ومرادهم إنكار أنّه من عند اللّه وإلّا لما جاء بهذا العدد الناقص .
« كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ » .
الكاف نصب . وذلك إشارة إلى ما قبله من معنى الإضلال والهدى . أي : مثل ذلك المذكور من الإضلال والهدى يضلّ الكافرين ويهدي المؤمنين . يعني يفعل فعلا حسنا مبنيّا على الحكمة فيراه المؤمنون حكمة فيذعنون له فيزيدهم إيمانا وينكره الكافرون
و
هامش
( 1 ) - الكشّاف 4 / 651 ، وتفسير البيضاويّ 2 / 544 .
( 2 ) - في النسخة : « دلالة » . وفي المصدر : دالّا » .
( 3 ) - الأعراف ( 7 ) / 73 .