جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » .
لمّا تقدّم ذكر الاستئذان ، عقّبه سبحانه بذكر رفع الحرج عن المؤمنين في الانبساط في الأكل والشرب فقال ليس على هذه الثلاثة حرج . وقد قيل في تأويله وجوه . الأوّل : ليس عليكم حرج في مؤاكلتهم . لأنّهم كانوا يتحرّجون في ذلك ويقولون : إنّ الأعمى لا يبصر فنأكل جيّد الطعام دونه ، والأعرج لا يتمكّن من الجلوس ، والمريض يضعف عن الأكل .
عن ابن عبّاس . الثاني : إنّ المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا من بيوتنا . وكان أولئك يتحرّجون من ذلك ويقولون : لا ندخلها وهم غيّب . فنفى اللّه سبحانه الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو . الثالث : انّه ليس على هؤلاء حرج في التخلّف عن الجهاد . ويكون قوله :
« وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ »
كلاما مستأنفا . فأوّل الكلام في الجهاد وآخره في الأكل . الرابع : انّ الزمنى والمرضى رخّص اللّه لهم في الأكل من بيوت من سمّاهم في الآية . وذلك أنّ قوما من الصحابة كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمونهم ، ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وقراباتهم ، وكان أهل الزمانة يتحرّجون من أن يطعموا ذلك الطعام لأنّه يطعمهم غير مالكيه . « 1 »
« وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ » ؛
أي : ليس عليكم حرج في أنفسكم
« أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ » .
أي التي تملكونها . فإنّ ذلك هو الظاهر من الإطلاق . ولعلّ النكتة فيه مع ظهور الإباحة ، الإشارة إلى مساواة ما ذكر فيها والتنبيه على أنّ الأقارب المذكورين والصديق ينبغي جعلهم بمثابة النفس في أن يحبّ لهم ما يحبّ لها كما جعل بيوتهم كبيته . وقيل : هي بيوت الأزواج والعيال . لأنّ بيت المرأة كبيت الرجل . وقيل : هي بيوت الأولاد . لأنّهم لم يذكروا في الأقارب مع أنّهم أولى منهم بالموافقة . لأنّ بيت الولد كبيته ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وآله : أنت ومالك
هامش
( 1 ) - مجمع البيان 7 / 244 - 245 .