المراد بهمّه ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياريّ . وذلك ممّا لا يدخل تحت التكليف ، بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من اللّه من يكفّ نفسه عن الفعل عند قيام الهمّ أو مشارفة الهمّ .
« عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ » :
الذين أخلصهم اللّه لطاعته . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بالكسر في كلّ القرآن . أي : الذين أخلصوا دينهم للّه . « 1 »
« بُرْهانَ رَبِّهِ » .
قيل : رأى مكتوبا في سقف البيت :
« وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى »
- الآية . « 2 » وقيل :
إنّه حجّة اللّه في تحريم الزنى والعلم بما على الزاني من العقاب . وقيل : إنّه مثّل له يعقوب فرآه عاضّا إصبعه ويقول له : أتعمل عمل الفجّار وأنت مكتوب في زمرة الأنبياء ؟ وقيل : إنّه سمع في الهواء قائلا يقول : يا بن يعقوب ، لا تكن كالطير إذا زنى ذهب ريشه . وقيل : ركضه جبرئيل فلم يبق فيه شيء من الشهوة . ( حسن عفي عنه )
فإن قلت : إذا لم يكن ليوسف همّ ، فما معنى
« لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » ؟
وما يبقى له فائدة .
قلنا : بل فيه أعظم الفوائد ؛ وهو بيان أنّ ترك الهمّ بها ما كان لعدم رغبته في النساء وعدم قدرته عليهنّ ، بل لأجل أنّ دلائل دين اللّه منعه عن ذلك العمل . ( حسن عفي عنه )
[ 25 - 27 ]
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 25 إلى 27 ]
وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 25 ) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 )
« قالَتْ »
إيهاما بأنّها فرّت منه تبرئة لساحتها عند زوجها وإغراءه بيوسف .
« ما جَزاءُ » .
ما نافية أو استفهاميّة بمعنى : أيّ شيء جزاؤه إلّا السجن ؟
« قالَ هِيَ راوَدَتْنِي » .
ولو لم تكذب عليه لما قاله .
« فَصَدَقَتْ » .
لأنّه يدلّ على أنّها قدّت قميصه من قدّامها بالدفع عن نفسها .
« فَكَذَبَتْ » .
لأنّه يدلّ على أنّها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدّته . « 3 »
هامش
( 1 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 480 - 481 .
( 2 ) - الإسراء ( 17 ) / 32 .
( 3 ) - تفسير البيضاويّ 1 / 481 .