لو كان كلّه محكما ، لاتّكل الناس كلّهم على الخبر واستغنوا عن النظر ، ولما كان للعلماء فضل على غيرهم ، ولكان لا يحصل لهم ثواب النظر وإتعاب الخواطر في استنباط المعاني . « 1 »
« الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ » .
هم أهل البدع .
« فَيَتَّبِعُونَ » ؛
أي : يتعلّقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع ممّا لا يطابق المحكم . فإن قلت : هلّا كان القرآن كلّه محكما ؟ قلت :
لما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحقّ والمتزلزل فيه .
« وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ » :
التأويل الذي يشتهونه . « 2 »
طعن جماعة من الملاحدة في متشابه القرآن وقالوا : كيف يليق بالحكيم أن يذكر في كتابه المرجوع إليه في دينه ما يتمسّك به أهل كلّ مذهب على مذهبهم وكلّ يسمّي الآية الموافقة لمذهبه محكمة ومخالفها متشابهة ؟ وهذا لا يليق بالحكمة . ولو جعله كلّه ظاهرا جليّا خالصا عن المتشابه ، كان أقرب إلى حصول الغرض . فالجواب : انّه لو كان كلّه محكما ، كان موافقا لمذهب واحد وكان ينفر أرباب سائر المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه والانتفاع به . وإذا كان مشتملا على القسمين ، يطمع كلّ صاحب مذهب أنّه يجد فيه ما يؤيّد مقالته فيجتهد في فهم معانيه . وبعد الفحص تصير المحكمات عنده مفسّرة للمتشابهات فيصل المبطل إلى الحقّ . « 3 »
أقول : وذكر الفاضل النيشابوريّ وجها آخر لوقوع المتشابه في القرآن ؛ وهو : انّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ . وطباع العامّة تنبو في الأغلب عن إدراك الحقائق . فمن سمع منهم في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيّز ، ظنّ أنّ هذا عدم محض فوقع في التعطيل . فكان الأولى أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما توهّموه وتخيّلوه مخلوطا بما يدلّ على الحقّ الصريح . « 4 » انتهى . وأمّا على مذهبنا معاشر الإماميّة ، فالوجه فيه ظاهر ؛ وهو : انّ المخاطب بالقرآن رسول اللّه وأهل بيته عليهم السّلام وكانوا عارفين بمتشابهه وأمروا
هامش
( 1 ) - مجمع البيان 2 / 700 - 702 .
( 2 ) - الكشّاف 1 / 338 .
( 3 ) - تفسير النيسابوريّ 3 / 139 - 140 .
( 4 ) - تفسير النيسابوريّ 3 / 140 .