استفهاميّة وخبريّة . ومعنى الاستفهام فيه التقرير .
« مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ » ؛
أي : بعد ما تمكّن من معرفتها أو عرفها . كقوله :
« ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ »
« 1 » . « 2 »
كان الصادق عليه السّلام يقرأ : من آية بينة فمنهم من آمن ومنهم من جحد ومنهم من أقر ومنهم من بدل ومن يبدل - الآية . « 3 »
[ 212 ]
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ]
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 )
« زُيِّنَ لِلَّذِينَ » .
فإنّ الإنسان إنّما يكلّف بأن يدعى إلى شيء تنفر نفسه عنه أو يزجر عن شيء تتوّق نفسه إليه . وهذا معنى قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : حفّت بالمكارة الجنّة . وحفّت النار بالشهوة .
« الدُّنْيا » .
صفة الحياة . ومن قال إنّ اللّه زيّن الحياة ، فباعتبار أنّه خلق الأشياء المعجبة المحبوبة وخلق فيهم الشهوة .
« يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ » .
نزلت في أبي جهل وغيره من رؤساء قريش بسطت لهم الدنيا وكانوا يسخرون من قوم من المؤمنين فقراء ويقولون : لو كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله نبيّا ، لاتّبعه أشرافنا .
« بِغَيْرِ حِسابٍ » ؛
أي : لا يدخله الحساب من كثرته . « 4 »
« زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا » .
قال المعتزلة : الفاعل هم غواة الجنّ والإنس ؛ قبّحوا أمر الآخرة في أعين الكفّار وأوهموهم أن لا صحّة لها فلا تنغصّوا عيشكم في الدنيا . وقال أبو مسلم : الكفّار زيّنوا لأنفسهم . كقوله :
« أَنَّى يُؤْفَكُونَ »
« 5 » . « 6 »
« لِلَّذِينَ » .
المزيّن الشيطان ؛ زيّن لهم الدنيا وحسّنها في أعينهم فلا يريدون غيرها . ويجوز أن يكون اللّه قد زيّنها بأن خذلهم حتّى استحسنوها وأحبّوها .
« وَيَسْخَرُونَ » .
كان الكفّار يسخرون من المؤمنين الذين لا حظّ لهم من الدنيا كابن مسعود وعمّار .
« وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » .
لأنّهم في علّيّين من السماء وهم في سجّين من الأرض ، أو هم
هامش
( 1 ) - البقرة ( 2 ) / 75 .
( 2 ) - الكشّاف 1 / 254 .
( 3 ) - الكافي 8 / 290 ، ح 440 .
( 4 ) - مجمع البيان 2 / 540 - 541 .
( 5 ) - المائدة ( 5 ) / 75 .
( 6 ) - تفسير النيسابوريّ 2 / 299 - 300 .