تبوك فإنه قد أصابتهم فيها مشقة عظيمة من شده الحر وقلة المركب حتى كانت العشرة تعتقب على بعير واحد ومن قلة الزاد حتى قيل إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء المتغير ومن قلة الماء حتى شربوا الفظ وهو ماء الكرش عن عمر رضى اللّه عنه خرجنا في قيظ شديد وأصابنا فيه عطش شديد حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه * قال الكاشفي [ وبر طوبات أجواف وامعاى آن دهن خويش را تر ميساختند ] ولذلك سميت غزوة العسرة وسمى من جاهد فيها بجيش العسرة وهذه صفة مدح لأصحاب النبي عليه السلام باتباعهم إياه في وقت الشدة ومع ذلك فقد كانوا محتاجين إلى التوبة فما ظنك بغيرهم ممن لم يقاس ما قاسوه
مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
اى يميل قلوب طائفة منهم عن الثبات مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بان هموا ان ينصرفوا في غير وقت الانصراف من غير أن يؤذن لهم في ذلك لشدائد أصابتهم في تلك الغزوة لكنهم صبروا واحتسبوا وندموا على ما ظهر على قلوبهم فتاب اللّه عليهم وفي كاد ضمير الشأن وجملة يزيغ في محل النصب على أنها خبر كاد وخبر كاد إذا كان جملة لا بد ان يكون فيه ضمير يعود على اسمها الا إذا كان اسمها ضمير الشان فحينئذ لا يجب ان يكون فيه ضمير يعود إلى اسمها
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
اى تجاوز عن ذنبهم الذي فرط منهم وهو تكرير للتأكيد وتنبيه على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة : قال الحافظ
مكن ز غصه شكايت كه در طريق طلب * براحتى نرسيد آنكه زحمتى نكشيد
إِنَّهُ
اى اللّه تعالى
بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
استئناف تعليل فان صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة والعفو ويجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال المنفعة وان يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق ومن كمال رحمته إرسال حبيبه واظهار معجزاته - روى - انهم شكوا للنبي عليه السلام عسرة الماء في غزوة تبوك فقال أبو بكر رضى اللّه عنه يا رسول اللّه ان اللّه تعالى عودك في الدعاء خيرا فادع اللّه لنا قال ( أتحب ذلك ) قال نعم فرفع عليه السلام يديه فلم يرجعهما حتى أرسل اللّه سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون اليه وتلك السحابة لم تتجاوز العسكر - وروى - انهم نزلوا يوما في غزوة تبوك على غير ماء بفلاة من الأرض وقد كادت عتاق الخيل والركاب تقع عطشا فدعا عليه السلام وقال ( اين صاحب الميضاة ) قيل هو ذا يا رسول اللّه قال ( جئنى بميضاتك ) فجاء بها وفيها شئ من ماء فوضع أصابعه الشريفة عليها فنبع الماء بين أصابعه العشر وأقبل الناس واستقوا وفاض الماء حتى رووا ورووا خيلهم وركابهم وكان في العسكر من الخيل اثنا عشر الف فرس ومن الإبل خمسة عشر الف بعير والناس ثلاثون ألفا وفي رواية سبعون : قال السلطان سليم الأول من الخواقين العثمانية
كوثر نمى ز چشمهء احسان رحمتش * آب حيات قطرهء از جام مصطفاست
- روى - انهم لما أصابهم في غزوة تبوك مجاعة قالوا يا رسول اللّه لو أذنت لنا نحرنا نواضحنا وادّهنا فقال عمر رضى اللّه عنه يا رسول اللّه ان فعلت فنى الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم