إلى المسببات أحسن ترتيب وتوجيه بأقصى وجوه العدل واللطف كذا في المقصد الأقصى في شرح معاني أسماء اللّه الحسنى للامام الغزالي عليه رحمة الملك المتعالي
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
إضافة الآيات إلى نون العظمة لتشريفها واستعظام الاقدام على تكذيبها اى بآياتنا التي هي معيار الحق ومصداق الصدق والعدل
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ
اى سنقربهم البتة إلى الهلاك على التدريج وأصل الاستدراج اما الاستصعاد وهو النقل من سفل إلى علو درجة درجة . واما الاستنزال وهو النقل من علو إلى سفل كذلك والأنسب هو النقل إلى أعلى درجات المهالك ليبلغ أقصى مراتب العقوبة والعذاب
مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
صفة لمصدر الفعل المذكور اى سنستدرجهم استدراجا كائنا من حيث لا يعلمون انه كذلك بل يحسبون انه إكرام من اللّه تعالى وتقريب منه أو لا يعلمون ما نريد بهم وذلك ان يتواتر عليهم النعم فيظنوا انها لطف من اللّه بهم فيزدادوا بطرا وانهماكا في الغى إلى أن تحق عليهم كلمة العذاب على أفظع حال وأشنعها
مده خود را فريب از رنك وبويم * كه هست از خندهء من كريه آميز
: قال الحافظ
بمهلتى كه سپهرت دهد ز راه مرو * ترا كه كفت كه اين زال ترك دستان كفت
وَأُمْلِي لَهُمْ
الاملاء إطالة مدة أحدهم بإبقائه على ما هو عليه وعدم الاستعجال في مؤاخذته قال المولى أبو السعود عطف على سنستدرجهم غير داخل في حكم السين لما ان الاملاء وهو عبارة عن الامهال والإطالة وليس من الأمور التدريجية كالاستدراج الحاصل في نفسه شيأ فشيأ بل هو فعل يحصل دفعة وانما الحاصل بطريق التدريج آثاره وأحكامه لانفسه كما يلوّح به تغيير التعبير بتوحيد الضمير
إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
اى ان أخذي شديد وانما سماه كيدا لان ظاهره احسان وباطنه خذلان قال سعدى چلبى المفتى الأولى ان يقول سماه كيدا لنزوله بهم من حيث لا يشعرون والكيد الاخذ بخفية وقال الحدادي الكيد هو الإضرار بالشيء من حيث لا يشعر به قال في الحكم العطائية خف من وجود إحسانه إليك ودوام اسائتك معه ان يكون ذلك استدراجا لك قال اللّه تعالى
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ
قال سهل رضى اللّه عنه في معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فإذا ركنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا وقال أبو العباس بن عطاء يعنى كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه اللّه . الاستدراج تواتر المنة بغير خوف الفتنة الاستدراج انتشار الذكر دون خوف المكر . الاستدراج التمكن من المنية والصرف عن البغية . الاستدراج تعليل برجاء وتأميل بغير وفاء . الاستدراج ظاهر مضبوط وسر بالاغيار منوط انتهى . ومن وجوه الاستدراج ان يجهل المريد بنفسه وبحق ربه فيسيىء الأدب بإظهار دعوى أو تورط في بلوى فتؤخر العقوبة عنه امهالا له فيظنه إهمالا فيقول لو كان هذا سوء أدب لقطع الامداد فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر ولو لم يكن من قطع المدد عنه من حيث لا يشعر الا منع المزيد لكان قطعا لان من لم يكن في زيادة فهو في نقصان وكان أحمد بن حنبل رضى اللّه عنه