غريق آخر في البحر وهو يأخذ بيده لينجيه فيهلكان جميعا فالواجب على الطالب المحق ان يتمسك بذيل إرادة صاحب دولة في هذا الشأن مسلك كامل ويستسلم للاحكام ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على اللّه الا هالك
لا يَضُرُّكُمْ
أيها الطالبون
مَنْ ضَلَّ
من المغرقين
إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
إلى الحق به
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق المكر والعصيان
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
اى فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم أو ألم عقوبة أعمالكم والمعنى ليس للطالب ان يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بان يقبله ليربيه ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم امر سلوكه بتسليك مسلك كامل وأصل ثم إن يرى شيخه ان له رتبة الشيخوخة فيثبته بإشارة التحقق في مقام التربية ودعوة الخلق فحينئذ يجوز له ان يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
فاما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن مريدا قط يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والثناء الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثونه كلما مات واحد منهم كانوا يجلسون ابنه مقامه صغيرا كان أو كبيرا ويلبسون منه الخرق ويتبركون به وينزلونه منازل المشايخ فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فاندرست آثارها واللّه اعلم باخبارها إلى هاهنا من الإشارة من التأويلات النجمية
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
تصديره بحرف النداء والتنبيه لاظهار كمال العناية بمضمونه - روى - ان تميم بن أوس الداري وعدى بن زيد خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل بن أبي مريم مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما قدما إلى الشام مرض بديل فكتب كتابا فيه أسماء جميع ما معه وطرحه في درج الثياب ولم يخبرهما بذلك وأوصى إليهما بان يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه فوجدا فيه اناء من فضة وزنه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه ودفعا المتاع إلى أهله فأصابوا فيه الكتاب فقالوا لهما هل باع صاحبكما شيأ من متاعه قالا لا قالوا فهل طال مرضه فانفق شيأ على نفسه قالا لا انما مرض حين قدم البلد فلم يلبث ان مات قالوا فانا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية متاعه وفيها اناء منقوش مموّه بالذهب وزنه ثلاثمائة مثقال قالا ما ندري انما أوصى إلينا بشئ وأمرنا ان ندفعه إليكم ففعلنا وما لنا بالاناء من علم فرفعوهما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
فاستحلفهما بعد صلاة العصر عند المنبر باللّه الذي لا إله إلا هو انهما لم يخونا شيأ مما دفع ولا كتما فحلفا على ذلك فخلى صلى اللّه عليه وسلم سبيلهما ثم إنه وجد الإناء في مكة فقال من بيده اشتريته من تميم وعدي وقيل لما طالت المدة اظهراه فبلغ ذلك بنى سهل أولياء بديل فطلبوه منهما فقالا كنا اشتريناه من بديل فقالوا ألم نقل لكما هل باع صاحبنا من متاعه شيأ فقلتمالا قالا ما كان لنا بينة فكرهنا ان نقربه فرفعوهما إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزل قوله تعالى
فَإِنْ عُثِرَ
الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا باللّه بعد العصر انهما كذبا وخانا فدفع الإناء إليهما * واتفق العلماء على أن