والإشارة في الآيات ان ظاهرها خطاب لأهل الدنيا والآخرة وباطنها عتاب لأهل اللّه وخاصته
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
يا أهل الحق
الْمَيْتَةُ
وهي الدنيا بأسرها : قال في المثنوى
در جهان مرده شان آرام نيست * كين علف جز لايق انعام نيست
هر كرا گلشن بود بزم ووطن * كي خورد أو باده اندر كولخن
وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
يعنى حلالها وحرامها قليلها وكثيرها وذلك لان من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل واللحم بالنسبة إلى الدم كثير
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
يعنى كل طاعة وعبادة وقراءة ودراسة ورواية تظهرون به لغير اللّه
وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ
يعنى الذين يخنقون نفوسهم بالمجاهدات ويقذونها بأنواع الرياضات بنهيها عن المرادات وزجرها عن المخالفات للرياء والسمعة
وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ
الذين يردون نفوسهم من أعلى عليين إلى أسفل سافلين بالتناطح مع الاقران والمماراة مع الاخوان والتفاخر بالعلم والزهد بين الأخدان وفي قوله
وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ
إشارة إلى أنه فيما تحتاجون اليه من القوت الضروري كونوا محترزين من أكيلة السباع وهم الظلمة الذين يتهاوشون في جيفة الدنيا تهاوش الكلاب ويتجاذبونها بمخالب الأطماع الفاسدة الا ما ذكيتم بكسب خلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال
وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ
يشير إلى ما ذبح عليه النفس بأنواع الجد والاجتهاد من المطالب الدنيوية والأخروية
وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ
يعنى لا تكونوا مترددين متفئلين في طلب المرام مبتغين لحصول المقصود متهاونين في بذل الوجود فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم من هذه الدواهي واخلصتم للّه في اللّه باللّه وخرجتم من سجن الأنانية وسجين الانسانية بالجذبات الربانية فقد عادت ليلتكم نهارا وظلمتكم أنوارا
الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا
من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها
مِنْ دِينِكُمْ
وتيقنوا ان ما بقي لكم الرجوع إلى ملتهم ولا الصلاة إلى قبلتهم
فَلا تَخْشَوْهُمْ
فإنكم خلصتم من شبكة مكايدهم ونجوتم من عقد مصايدهم
وَاخْشَوْنِي
فان كيدي متين وصيدى مهين وبطشى شديد وحبسى مديد
الْيَوْمَ
إشارة إلى الأزل
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
اى جعلت الكمالية في الدين من الأزل نصيبا لكم من جميع أهل الملل والأديان
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
التي أنعمت بها عليكم في الأزل من الكمالية الآن بإظهار دينكم على الأديان كلها في الظاهر واما في الحقيقة فسيجىء شرحه
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
تستكملون به إلى الأبد بحيث من يتبغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وذلك لان حقيقة الدين هي سلوك سبيل اللّه بقدم الخروج من الوجود المجازى للوصول إلى الوجود الحقيقي والإنسان مخصوص به من سائر الموجودات ولهذه الأمة اختصاص بالكمالية في السلوك من سائر الأمم فالدين من عهد آدم عليه السلام كان في التكامل بسلوك الأنبياء سبيل الحق إلى عهد النبي عليه الصلاة والسلام فكل نبي سلك في الدين مسلكا أنزله بقربه من مقامات القرب ولكن ما خرج أحد منهم بالكلية من الوجود المجازى للوصول إلى الوجود الحقيقي بالكمال فقيل للنبي عليه السلام
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
فسلك النبي جميع المسالك التي سلكها الأنبياء بأجمعهم فلم يتحقق له الخروج أيضا بقدم السلوك من الوجود المجازى بالكلية حتى تداركته