تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
بقوله تعالى
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجبها والأمر للإباحة بعد الحظر كأنه قيل وإذا حللتم من الإحرام فلا جناح عليكم في الاصطياد
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
يقال جرمنى فلان على أن صنعت كذا اى حملني والمعنى لا يحملنكم
شَنَآنُ قَوْمٍ
اى شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت أضيف إلى المفعول أو الفاعل فالمعنى على الأول بغضكم لبعض فحذف الفاعل وعلى الثاني بغض قوم إياكم فحذف المفعول
أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
اى لان منعوكم عن زيارته والطواف به للعمرة عام الحديبية
أَنْ تَعْتَدُوا
ثاني مفعولى يجرمنكم اى لا يحملنكم شدة بغضكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفى
وَتَعاوَنُوا
اى ليعن بعضكم بعضا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
اى على العفو والإغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى
وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
اى لا يعن بعضكم بعضا على شئ من المعاصي والظلم للتشفى والانتقام وليس للناس اى يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه لكن الواجب ان يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى . وأصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذف منه احدى التاءين تخفيفا وانما اخر النهى عن الأمر مع تقدم التخلية مسارعة إلى إيجاب ما هو مقصود بالذات فان المقصود من إيجاب ترك التعاون على الإثم والعدوان انما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى . وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البر والإثم فقال ( البر حسن الخلق والاسم ما حاك في نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس )
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني
إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
فانتقامه أشد لمن لا يتقيه . واعلم أن شعائر اللّه في الحقيقة هي مناسك الوصول إلى اللّه وهي معالم الدين والشريعة ومراسم آداب الطريقة بإشارة أرباب الحقيقة فان حقيقة البر هو التفرد للحق وحقيقة التقوى هو الخروج عما سوى اللّه تعالى فالوصول لا يمكن الا بهما لكنهما خطوتان لا يمكن للمريد الصادق ان يتخطى بها الا بمعاونة شيخ كامل مكمل واصل موصل فإنه دليل هذا الطريق : قال الحافظ
بكوى عشق منه بي دليل راه قدم * كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد
وقال أيضا
شبان وادئ أيمن گهى رسد بمراد * كه چند سال بجان خدمت شعيب كند
وفي الآية إشارة إلى تعظيم ما عظمه اللّه من الزمان والمكان والاخوان وقد فضل الأشهر والأيام والأوقات بعضها على بعض كما فضل الرسل والأمم بعضها على بعض لتتسارع القلوب إلى احترامها وتتشوق الأرواح إلى إحيائها بالتعبد فيها ويرغب الخلق في فضائلها وفضل الأمكنة بعضها على بعض ليعظم الاجر بالإقامة فيها وخلق اللّه الناس سعيدا وشقيا والعبرة بالخاتمة وكل مخلوق من حيث إنه مخلوق اللّه حسن حتى أنه ينبغي ان يكون النظر إلى الكافر من حيث إنه مخلوق اللّه لا من حيث كفره وان لم يرض بكفره فعلى الناظر بنظر
تفسير روح البيان — صفحة 339 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي