تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
عن جوابه وانه ليس يحضرني الآن وللّه علىّ ان لا أطعم ولا اشرب حتى أؤدي الذي يجب من الحق ان شاء اللّه تعالى ودخل بيتا مظلما وأغلق عليه بابه واندفع في قراءة القرآن حتى بلغ من سورة الجاثية
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
فصاح بأعلى صوته افتحوا الباب فقد وجدت الجواب ففتحوا ودعا الغلام فقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد وقال إن كان قوله وروح منه يوجب ان يكون عيسى بعضا منه وجب ان يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضا منه فانقطع النصراني واسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ووصل علي بن الحسين الواقدي المروزي بصلة جيدة فلما عاد علي بن الحسين إلى مرو صنف كتابا سماه كتاب النظائر في القرآن وهو كتاب لا يوازيه كتاب . قيل معنى كونه روحا انه ذو روح صادر منه تعالى كسائر ذوى الأرواح الا انه تعالى أضاف روحه إلى نفسه تشريفا . وقيل المراد بالروح هو الذي نفخ جبرائيل عليه السلام في درع مريم فدخلت تلك النفخة بطنها فحملت بإذن اللّه من ذلك النفخ سمى النفخ روحا لأنه كان ريحا يخرج من الروح وأضاف تعالى نفخة جبريل إلى نفسه حيث قال وروح منه بناء على أن ذلك النفخ الواقع من جبريل كان بإذن اللّه تعالى وامره فهو منه . وعن أبي بن كعب أنه قال إن اللّه تعالى لما اخرج الأرواح من ظهر آدم لاخذ الميثاق عليهم ثم ردهم إلى صلبه امسك عنده روح عيسى إلى أن أراد خلقه ثم أرسل ذلك الروح إلى مريم فدخل في فيها فكان منه عيسى عليه السلام . قيل خلق عيسى عليه السلام من ماء مريم ومن النفخ لا من أحدهما فقط وهو الأصح عند المحققين . قيل خرج في ساعة النفخ . وقيل بعد المدة الكاملة بعد ثمانية أشهر والأول هو الأصح . وفي التأويلات النجمية ان شرف الروح على الأشياء بأنه أيضا كعيسى تكون بأمر كن بلا واسطة شئ آخر فلما تكون الروح بأمر كن وتكون عيسى بأمر كن سمى روحا منه لان الأمر منه تعالى كما قال
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
فكما ان احياء الأجسام الميتة من شأن الروح إذ ينفخ فيها فكذلك كان عيسى من شأنه احياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن اللّه وكذلك كان ينفخ في الطين فيكون طيرا بإذن اللّه تعالى . واعلم أن هذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة اللّه مركوز في جبلة الإنسان وخلق منه اى من الأمر وانما أظهره اللّه في عيسى من غير تكلف منه في السعي لاستخراج هذا الجوهر من معدنه لان روحه لم يركز في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كارواحنا فكان جوهره ظاهرا في معدن جسمه غير مخفى ببشرية أب وجوهرنا مخفى في معدن جسمنا ببشرية آبائنا إلى آدم فمن ظهور أنوار جوهر روحه كان اللّه تعالى يظهر عليه أنواع المعجزات في بدء طفوليته ونحن نحتاج في استخراج الجوهر الروحاني من المعدن الجسماني إلى نقل صفات البشرية المتولدة من بشرية الآباء والأمهات عن معادننا بأوامر أستاذ هذه الصنعة ونواهيه وهو النبي عليه السلام كما قال تعالى
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته وانسانيته يكون عيسى وقته فيحيى اللّه بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به إذا ناصما وعيونا عميا فيكون في قومه كالنبي في أمته فافهم جدا : وفي المثنوى
عيسى اندر مهد دارد صد نفير * كه جوان ناگشته ما شيخيم وپير