تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
يريدون ان يأمنوا منكم بكلمة التوحيد يظهرونها لكم
وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ
اى من قومهم بالكفر في السر وهم قوم من أسد وغطفان إذا أتوا المدينة اسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم ليأمنوا قومهم
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
دعوا من جهة قومهم إلى قتال المسلمين
أُرْكِسُوا فِيها
عادوا إليها وقلبوا فيها أقبح قلب واشنعه وكانوا فيها شرا من كل عدو شرير
فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ
بالكف عن التعرض لكم بوجه ما
وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
اى لم يلقوا إليكم الصلح والعهد بل نبذوه إليكم
وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ
اى لم يكفوها عن قتالكم
فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
اى تمكنتم منهم
وَأُولئِكُمْ
الموصوفون بما عد من الصفات القبيحة
جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً
اى حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم في الكفر وغدرهم واضرارهم باهل الإسلام . والإشارة في الآية الأولى ان الاختلاف واقع بين الأمة في ان خذلان المنافقين هل هو امر من عند أنفسهم أو امر من عند اللّه وقضائه وقدره فبين اللّه بقوله
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ
اى صرتم فرقتين فرقة يقولون الخذلان في النفاق منهم وفرقة يقولون من اللّه وقضائه وقدره
وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا
يعنى ان اللّه أركسهم بقدره وردهم بقضائه إلى الخذلان بالنفاق ولكن بواسطة كسبهم ما ينبت النفاق في قلوبهم ليهلك من هلك عن بينة ولهذا مثال وهو ان القدر كتقدير النقاش الصورة في ذهنه والقضاء كرسمه تلك الصورة لتلميذه بالأسرب ووضع التلميذ الاصباغ عليها متبعا لرسم الأستاذ كالكسب والاختيار فالتلميذ في اختياره لا يخرج عن رسم الأستاذ وكذلك العبد في اختياره لا يمكنه الخروج عن القضاء والقدر ولكنه متردد بينهما ومما يؤكد هذا المثال والتأويل قوله تعالى
قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وقال
وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ
وذلك مثل ما ينسب الفعل إلى السبب الأقرب تارة وإلى السبب الا بعد أخرى فالأقرب كقولهم قطع السيف يد فلان والا بعد كقولهم قطع الأمير يد فلان ونظيره قوله تعالى
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ
وفي موضع
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
قال ابن نباتة
إذا ما الآله قضى امره * فأنت لما قد قضاه السبب
فعلى هذه القضية من زعم أن لا عمل للعبد أصلا فقد عاند وجحد ومن زعم أنه مستبد بالعمل فقد أشرك فاختيار العبد بين الجبر والقدر لان أول الفعل وآخره إلى اللّه فالعبد بين طرفي الاضطرار مضطر إلى الاختيار فافهم جدا كذا في التأويلات النجمية . واعلم أن الجبرية ذهبت إلى أنه لا فعل للعبد أصلا ولا اختيار وحركته بمنزلة حركة الجمادات والقدرية إلى أن العبد خالق لفعله ولا يرون الكفر والمعاصي بتقدير اللّه تعالى ومذهب أهل السنة والجماعة الجبر المتوسط وهو اثبات الكسب للعبد واثبات الخلق للّه تعالى واما مشاهدة الآثار في الافعال من للّه تعالى كما عليه أهل المكاشفة فذلك ليس من قبيل الجبر : قال في المثنوى