تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
لا يشهده من نفسه وأجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التي لا شك فيها لظن ما عند الناس من صلاحية حاله . قال الحارث بن المحاسبي رحمه اللّه الراضي بالمدح بالباطل كمن يهزأ به ويقال إن العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك ويفرح بذلك ويرضى بالسخرية به
بحبل ستايش فرا چه مشو * چو حاتم أصم باش وعيبت شنو
يعنى لا تغتر بالمدح حتى لا تقع في بئر الهلاك وكن كالشيخ حاتم الأصم صورة فان الخلق إذا ظنوك يتكلمون في حقك ما لا ترضى به من القول لو سمعت فأذن تسمع عيوبك منهم وفي ذلك فائدة عظيمة لك لان المرء إذا عرف عيبه يجتهد في قمعه والتحلي بالأوصاف الجميلة والعارف هو الذي يستوى قلبه في المدح والذم لا ينقبض من الذم ولا ينبسط من المدح وكيف ينبسط بما يتحقق به مما يقوله الخلق من هو اعرف بحال نفسه وان انبسط فهو المغرور والمدعى هو الذي يرى نفسه صادقا في الأحوال والمعاملات وكل الحالات كأنه لا يتعرض لشئ من الدنيا أصلا وحاله شاهدة عليه في هذا الباب فان المرء له محك في أقواله وأفعاله وأحواله قال عليه السلام ( انما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء هل يستطيع الذي يمشى في الماء ان لا تبل قدماه فمن هذا يعرف جهالة الذين يزعمون أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم وقلوبهم عنها مطهرة وعلائقها عن بواطنهم منقطعة وذلك مكيدة الشيطان بل هم لو اخرجوا مما هم فيه لكانوا أعظم المتفجعين بفراقها فكما ان المشي في الماء يقتضى بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا تقتضى علاقة وظلمة في القلب بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع حلاوة العبادة . قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رحمه اللّه شكا بعض الناس لرجل من الصالحين انه يعمل البر ولا يجد حلاوته في القلب فقال لان عندك ابنة إبليس في قلبك وهي الدنيا ولا بد للأب ان يزور ابنته في بيتها وهو قلبك ولا يؤثر دخوله الا فسادا قال اللّه تعالى [ يا داود ان كنت تحبني فأخرج حب الدنيا من قلبك فان حبى وحبها لا يجتمعان في قلب ابدا ] . وروى أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم قالوا ومن الموتى قال الراغبون في الدنيا المحبون لها
بر مرد هشيار دنيا خسست * كه هر مدتي جاى ديگر كسست
منه بر جهان دل كه بيگانه‌ايست * چو مطرب كه هر روز در خانه‌ايست
نه لايق بود عشق با دلبرى * كه هر بامدادش بود شوهرى
عصمنا اللّه وإياكم
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وذلك ان أهل مكة سألوا رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ان يأتيهم بآية لصحة دعواه لأنه كان يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده فنزل
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
خلقين عظيمين ويقال فيما خلق اللّه في السماوات من الشمس والقمر والنجوم وما خلق اللّه في الأرض من الجبال والبحار والأشجار والوحوش والطيور
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
يعنى ذهاب الليل ومجيئ النهار ويقال في اختلاف لونيهما أو في تفاوتهما بازدياد كل منهما بانتقاص الآخر وانتقاصه بازدياده باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قربا وبعدا بحسب الأزمنة
لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
لعبرات كثيرة لذوي العقل