من فصحاء عدنان ، وبلغاء قحطان ، حتى حسبوا أنهم سحروا تسحيرا ثم بين للناس ما نزل
شرح
وفي تهذيب الأزهريّ . اختلف الناس في العرب ، ولم سموا عربا فقال بعضهم أوّل من نطق بالعربية يعرب بن قحطان أبو اليمن وهم العرب العاربة ونشأ إسماعيل عليه الصلاة والسلام معهم فتكلم بلسانهم وأولاده العرب المستعربة ، وقال آخرون : نشأ بعربة وهي بلدة من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وفي الحديث « خمسة أنبياء من العرب إسماعيل ومحمد وشعيب وصالح وهود » « 1 » وهذا يدلّ على أن لسان العرب قديم وكل من يسكن جزيرة العرب وتكلم بلسانهم فهو منهم انتهى فقوله عدنان وقحطان إشارة إلى قسمي العرب العاربة والمستعربة وكناية عن جميعهم ، وعدنان أبو معدّ أحد أجداده صلى اللّه عليه وسلم ، وإضافة الفصاحة إلى عدنان ، والبلاغة إلى قحطان إمّا تفنن أو بناء على المتعارف من إطلاق الفصاحة على الكلام العذب السهل ، والبلاغة المتين الجزيل ، وهو الغالب في اللغة القديمة ، والإضافة لهما لأنهما من أولادهما أو لأنهما أريد بهما القبيلة كما يقال تميم لأولاده ، وهو مجاز مشهور ، ثم إن المراد بالفصحاء هنا ما يشمل البلغاء ، والشيخ في الدلائل كثيرا ما يستعمل الفصاحة بمعنى البلاغة فلا يقال إن الفصاحة لا دخل لها في الإعجاز مع ما يرد عليه من المنع الظاهر قوله : ( حتى حسبوا الخ ) السحر كل ما لطف مأخذه ورق وما يخيل شيأ ليس بواقع واقعا وفعله سحر مخففا ومشدّدا وقد يمدح به نحو إنّ من البيان لسحرا على أحد الوجهين فيه وحسبوا بمعنى ظنوا ، وقد يرد بمعنى اليقين نادرا كقوله :* حسبت التقى والجود خير تجارة *وليس بمراد هنا ، وفيه إشارة إلى أنه ظنّ فاسد ، وتوهم كاسد إذ ليس عجزهم لسحر ونحوه وحسبانهم لعدم الفرق بين المعجزة والسحر وسيأتي تحقيقه وليس في هذا إشعار بالصرفة لأن جعل المانع عن الإتيان بمثله السحر يشعر بأن لهم قدرة في حدّ ذاتهم ، ولذا قيل إن إظهار الحسبان لدفع الخجالة والتلبس على سفهائهم لعلمهم بأنه ليس بساحر وإن نسبوه له مكابرة وعنادا ، ولو اعترفوا بصرف اللّه عن معارضته اعترفوا بأنه من عنده فمثل هذا الخيال الفارغ لا يضرّنا ، وقيل في عبارة الحسبان ردّ على معتقدي الصرفة لدلالته على أنه مجرّد توهم وفيه نظر وسحروا مبنى للمجهول ، وحسبوا معلوم ، ويصح فيه بناء المجهول ، والمعنى على الأول حسبوا أنفسهم ، وعلى الثاني حسبهم من رآهم من الناس ، وقد قيل : إنه أبلغ قوله : ( ثم بين للناس الخ ) ثم لتفاوت ما بين مرتبتي المنكر المتحدّي والمؤمن المتدبر أو للتراخي لأنه أمر ممتدّ فعطف بثم باعتبار أوّله وإن قارنه ويعقبه بعض منه حتى جاز فيه الفاء أيضا كما مرّ وقيل هو للإشارة إلى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وإن لم يجز عن وقت الحاجة ، وفيه نظر ولام للناس صلة أو تعليلية والعموم لا يقتضي ثبوته لكل فرد فرد ، وكذا قوله ليدبروا .
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .