. . .
شرح
خطب إذا نزل لم نجد فيه معينا أي في شأنه وحاله والضمير للتحدّي ، وإذا لم يوجد إذا تحدّى بأقله ذو قدرة تامّة فغيره بالطريق الأولى ، وأولى من هذا كله ما قرّره العز بن عبد السلام في الأسئلة القرآنية أن المبالغة كما تكون في الكيف تكون في الكمّ ، فالمراد كثرة العجزة عن إعجازه .
واعلم أن الإمام الراغب قال : إن القدير لا يطلق على غير اللّه تعالى بخلاف المقتدر ففي إطلاقه هنا نظر لا يخفى فتأمّل قوله : ( وأفحم الخ ) وفي نسخ أفحم بدون عاطف لأنه بيان أو توكيد لقوله : لم يجد به قديرا ، فالعطف إمّا لعدم قصد ذلك أو لعطفه على جملة تحدّى ويجوز كونه استئنافا بيانيا حينئذ أيضا والإفحام إسكات الخصم عجزا حتى كأنه لافتضاحه اسودّ وجهه وصار كالفحم كما قيل :* فتعجبوا لسواد وجه الكاذب *وتصدّى بمعنى تعرّض ، وأصله تصدّد ، فأبدلت الدال الأخيرة حرف علة هربا من ثقل التكرار ، كما قالوا في تقضض تقضي ، فالمراد أسكتهم للعجز لا للصرفة كما يشهد له السياق ، وهذا يدلّ على وجود التصدّي للمعارضة وقوله في « الكشاف » : فلم يتصدّ للاتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم يدلّ على عدمه وكلام المصنف رحمه اللّه هو الموافق للواقع وما في الكشاف أمّا محمول على نفي القيد أي لم يأتوا وإن تصدّوا بموازيه ، أو على تنزيل تصدّيهم منزلة العدم لعدم ثمرته ، وأمّا كون من تصدّي غير فصيح ، فليس بشيء ، وقد اعترف به الوليد مع بلاغته ومبالغته في كفره في كلامه المعروف في السير ، وقول قريش له صبا واللّه فإن قلت لم خالفه المصنف رحمه اللّه ، وهو أبلغ كما قيل من وجهين ، لأن عدم التصدّي مع كمال الحرص عليه أدلّ على العجز من عدم الإتيان بعد التصدّي كما أن عدم تصدّي واحد للإتيان بما يدانيه فضلا عن مساويه كذلك ، ولا احتمال أن ذلك لقلة المبالاة .
قلت : هو كما ذكرت في إلا بلغية لكنه مخالف للواقع وموهم للصرفة إيهاما قويا فلذا رجحه المصنف رحمه اللّه تعالى فاختر لنفسك ما يحلو فاثباته للتصدّي يدلّ على أنه ليس للصرفة أو الإخبار بالمغيبات ، قيل : ولو قال أفحم به اندفع توهم أن الإفحام بالصرفة لا للبلاغة ، وفيه أن السياق يدفعه مع أنه لا مجال له هنا إذا الصرف فعله تعالى وإلا فحام مسند إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وعبارة الكشاف توهمه لإسناده الإفحام إلى اللّه تعالى ، فلذا زاد به مع أنه لولا دلالة السياق أيضا لم يفهم أنه بالبلاغة لاحتمال أنه لاشتماله على المغيبات والسلامة من التناقض والاختلاف ، ولا يخفى أن زيادة به تدفعه لأن مقدار أقصر سورة لا يجري فيه ذلك نعم لو قيل : هو لا يدفع كونه بالنظم الغريب المخالف لغيره أو بمجموع النظم والبلاغة ، كما ذهب إليه الباقلانيّ لم يبعد ولا يخفى ما فيه من التعسف .