الإشراق الخامس [ الإنسان لما ذا لا يتمنى الموت ]
قد نفى اللّه تعالى عن اليهود ومن يحذو حذوهم من أولي الطبائع الغليظة والقلوب القاسية عن قبول نور المعرفة والحكمة تارة درجة الولاية والقرب - كما في هذه الآية - ، وأخرى درجة السعادة الاخرويّة - كما في الآية المنقولة - .
والسبب في ذلك أنّ أهل الآخرة إن كانوا من الكاملين في المعرفة واليقين فهم من أولياء اللّه المقرّبين ، وإن كانوا من الكاملين في العمل فهم في روضات الجنان ومنادمة الحور والغلمان والابتهاج باللؤلؤ والمرجان .
وهاتان المرتبتان كلتاهما مسلوبتان عنهم رأسا ، لفساد اعتقادهم لعنادهم وجحودهم للعلوم الحقّة الحقيقية ، واعتمادهم على أوهام وظنون تقليديّة تلقّفته من غير دراية ، وبطلان أعمالهم لغلبة دواعيهم « 5 » الحيوانيّة وانكبابهم إلى طلب هذه الدنيا الدنيّة ، فينفي عنهم ما يؤدّي إلى الكمال العلمي والعملي بالكليّة ، فيمتنع عنهم تمنّى الموت .
وإنّما يتمنّاه من كان حكيما عارفا باللّه حارسا لآخرته ، عاملا عمل أهل الآخرة من الزهد في الدنيا وترك مرغوباتها ومستلذّاتها ورياساتها ، حتّى يكون الموت موصلا إيّاه إلى محبوبه الأصلي ومطلقا له عن أسر الطبيعة وحبس الظلمات وصبحة الأضداد والمؤذيات ، وقاطعا عنه كلفة العبادات وشدّة الرياضات والمحن والأمراض .
هامش
( 5 ) دعاويهم - نسخة .