فعل العبد أصلا ، وإن كان حصوله وفيضانه من اللّه ممّا يتوقّف على تصفية بيت القلب بمكناس الرياضة وتطهيره بإزالة الأوهام الباطلة وإزاحة العقائد الفاسدة بالتأمّلات والتفكّرات الموافقة لصورة الحقّ ، وهي جملة الحركات الاختياريّة النفسيّة والأعمال البشريّة القلبية المعدّة لورود أشعّة نور اللّه تعالى « 19 » ، ولا اختيار للعبد إلّا في مثل ما ذكر ، وأمّا في وقوع نور الحكمة في قلبه فذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء لا اختيار لأحد فيه ، إلّا أنّ الغالب عدم تخلّف ذلك النور عن قلب العبد المجاهد الصبور مع شرائط الحضور .
اللهمّ إلّا أن يفسّر الحكمة بنفس الأفعال الحسنة وهو ليس بصحيح ، وإلّا لكان كلّ فعل حسن حكمة ، وكلّ فاعل يفعل فعلا حسنا حكيما - وإن كان من المجانين والسفهاء - .
بل المراد من الحكمة - كما وقعت إليه الإشارة - إمّا نفس العلوم الحقيقيّة أو الخلق الذي هو منشأها ، أو الملكة الصادرة منه الأفعال على وجه الصواب ، وعلى أيّ وجه من هذه لم تكن الحكمة من الأفعال البشريّة ، بل تكون إمّا من الكيفيّة النفسانية ، أو الجوهر المفارق - تأمّل - .
فتلك الآية وأمثالها ما دلّت إلا على أنّ الحالة النفسانيّة مخلوقة للحقّ ولا نزاع لأحد من أهل الكلام فيها ، ولا دلالة فيها على أنّ الأفعال البشريّة مخلوقة له تعالى من غير اختيار للعبد فيها .
وتحقيق هذه المسألة العظيمة التي فيها مزلّة الأفهام ومزلقة الأقدام ممّا يحتاج إلى بسط في الكلام لا يليق بهذا المقام .
وظنّي أن لا ثلمة في الإسلام أكثر ممّا وقع من جهة الإفراط والتفريط في
هامش
( 19 ) أنوار اللّه تعالى - نسخة .