والعزيز بالحقيقة هو المتبرّي عن كلّ نقص وآفة ، والمتمجّد عن كلّ قصور وشين ، والممتنع عن أن يصل إلى نيل جلاله أفهام العاقلين - فضلا عن الغافلين ، أو أن يدرك كنه جماله أنظار الموحّدين - فضلا عن أوهام الملحدين والمعطّلين .
والحكيم : العالم الذي يعلم نظام الخير في الأشياء ، ويضع الأشياء على وجه يؤّدي إلى غاياتها الذاتيّة ، ويترتّب عليها وجوه المنافع ، ويتخلّى عن الشرور والآفات بقدر الإمكان ، وبالجملة على وجه يؤدّي المجموع إلى الخير المحض ، والجمال المطلق ، والكمال الأتم ، والجلال الأرفع .
فالحكمة مفهومها متحصّل من علم تامّ وقدرة بالغة ، إذ القدرة صفة تؤثّر وفق العلم والإرادة ، وهي فينا من الكيفيّات النفسانيّة مصححّة للفعل وتركه وقوّة على الشيء وضده ، وتعلّقها بالطرفين على السويّة ، فلا تكون تامّة لأنها فينا إمكان صرف وقوّة محضة ، لأنّ مبادي أفاعيلنا الاختياريّة واردة علينا من خارج - كالعلم بالفائدة أو ما في حكمه ، ثمّ الشوق ، ثمّ الإجماع المسمّى بالإرادة والكراهة - وفيه تعالى هي الفعل مطلقا ، إذ لا جهة إمكانيّة فيه سبحانه وليست قدرته مندرجة تحت إحدى المقولات ، بل هي نفس وجود ذاته وكونه بحيث يصدر عنه الموجودات لأجل علمه بنظام الخير الذي هو عين ذاته ، فإذا نسبت إليه الممكنات من حيث أنّها صادرة عن علمه ، كان علمه بهذا الاعتبار قدرة ، وإذا نسبت إليه من حيث أنّ علمه كاف في صدورها ، كان علمه بهذا الاعتبار إرادة ، وإذا كانت الأشياء الصادرة عن علمه على غاية الإحكام والإتقان وخيّرية النظام ، كان علمه بهذا الاعتبار حكمة .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 143
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٤٣