على قلوب عبادي مما أفضنا على قلبك وعلّمهم ما علّمناك ، وهذه الإفاضة والتعليم - وإن كانت عامّة شاملة - وهذه الهداية والحكمة - وإن كانت تامّة كاملة - لم ينتفع بها إلّا النفوس السليمة عن أمراض الإعراض عن الحكمة والكفر والطغيان ، والقلوب الساذجة عن آفات الحسد والطغيان لقوله :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ 26 / 89 ] وأمّا النفوس الشقية العنودة الفسوقة التي كفرت بأنعم اللّه فلم تؤثّر فيها الحكمة والقرآن ، بل أثّرت فيها أضداد ما يؤثّر في أهل السلامة والايمان ، كمثال نور الشمس واختلاف تأثيرها في تنوير بعض الجواهر وإظلام البعض ، وترويح الموادّ الطيبة وتعفين الموادّ العفينة ، وتبييض ثياب القصّارين وتسويد وجوههم .
فهكذا حكم تأثيرات أنوار القرآن على القلوب المتخالفة في الصفاء والكدورة واللطافة والكثافة
يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
وذلك لاختلاف القوابل والاستعدادات وتفاوت الغرائز والجبلّات ، فالهادي بالذات لقوم ربّما يكون مضلّا لقوم آخر من هذا الوجه ، والانتفاع بالرسول والقرآن إنّما يختصّ بأهل الاهتداء والايمان
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا
[ 3 / 164 ] دون الكفّار والمنافقين
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ 2 / 6 ] .
ففائدة هذه البعثة والإرسال ونتيجة هذا الإنذار والإنزال أمّا بالنسبة إلى ذوي القلوب السليمة فبأن
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
ويرشدهم إلى سبيل اللّه ويهديهم إلى رضوانه وجنانه ، ويبيّن لهم أحوال الآخرة وتوزيع الدرجات وتفاوت السعادات والشقاوات ، ويشرح لهم الطاعات المنوّرات المقرّبات ، والمعاصي المكدّرات المبعّدات ،