فظهر من جملة هذا أن النفوس الإنسانية تصير في الآخرة قوالب أهل الجنة ، مصورة بصورهم اللطيفة ، ويكون أرواحهم من العقول القادسة ، ويكون عقلهم من نور الأنوار ، وهذا المعنى مما لا ينكشف إلا بالروح القدسي :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
[ 24 / 40 ] .
فهذه النفس الإنسانية هي جسم لطيف وروحها القدسي جوهر مفارق من كل الوجوه ، وهذا النور الإلهي أرفع من أن يتصور في فكر أو عقل ، لأن العقل مأوى الصور الكلية والحقائق العقلية ، وهو المسمى بالعرش عند قوم ، وأما القوة المفكرة فهي منتهى التصورات النفسانية والعقول التفصيلية ، ويقال لها الكرسي والصدر المعنوي عند طائفة .
وقد انتهى الكلام إلى ما عجز عن دركه جمهور الأنام ، اللهم اجعل هذه الكلمات محروسة عن ملاحظة الناقصين ، واسترها عن أعين المغرورين ، واجعل لأصحاب القلوب الصافية نصيبا وافرا من دركها ، ورغبة تامة في حفظها ، ثم في صونها عن الأغيار ليكون مستقر هذا المعاني صدور الأحرار التي هي قبور الأسرار ، لتكون في روضة من رياض الجنان ، ولا تجعلها في بطون الأشرار كيلا يكون في حفرة من حفر النيران ، وهم الظاهريون الذين زينوا ظواهرهم بالنقوش المزخرفة والأقوال المزينة المليحة الحلوة ، كالأطعمة والحلاوات ، وأهملوا بواطنهم ، بل احشوها بالنفاق والجهل والاستكبار عن الحق والحقائق ، كبطون الفجار وقبور الكفار .
همچو گور كافران بيرون حلل * واندرون قهر خدا عز وجل
اللهم اجعل قبرنا روضة من رياض الجنان ولا تجعلها حفرة من حفر النيران .