ثم إنه قد وردت الروايات في باب المتولي لهذه العمارة والآخذ لطينة وجود هذا المسجد الجامع متفاوتة ، ففي بعضها :
إن الجامع لأجزاء بدنه وترابه هم الملائكة . وفي بعضها : إن الآخذ لتراب قالبه هم رسل اللّه ، ليكون لهم الرسالة إلى عباده « 1 » ، وفي بعضها : إن ملك الموت قد أخذ قبضة من التراب « 2 » ، وفي بعضها : إن الله تعالى قبض بيده قبضة من أديم الأرض « 3 » .
فهذه الروايات كلها صادقة الفحوى متوافقة المعنى عند الواقف على حقيقة ذات الإنسان ، فإن في ذاته وطينته أصولا أربعة : ففيها الطينة النباتية لحياته النباتية من التغذية والتنمية والتوليد ، وفيها الطينة الحيوانية للإحساس والتحريك ، وفيها المادة النفسانية والعقل الهيولاني الذي هو محل الحياة العقلية بمعرفة الحقائق ، وفيها الطينة القدسية التي هي محل معرفة اللّه ، وهي الفانية عن ذاتها والباقية ببقاء اللّه .
فأما الطينة النباتية فهي التي قبضها الملائكة الموكلة بعمارة هذا العالم العنصري ، فأحياها اللّه بالماء ، كقوله
مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ 21 / 30 ] .
وأما طينته الحيوانية فهي التي جاء بها رسل اللّه بأمره ،
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ 17 / 85 ] أي حاصلة من عالم الأمر .
وأما حصة طينته التي ينشأ منها النفس النطقي فهي التي تكون حياتها بنفخه تعالى روحه فيها ، لقوله :
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي
[ 15 / 29 ] .
وأما حصة طينة من كان عبدا مؤمنا عارفا باللّه فانيا عن ذاته باقيا ببقائه تعالى فهي التي قبضها اللّه تعالى وأحياها بروح القدس ، لقوله تعالى في حق عيسى - على نبيّنا وآله وعليه السّلام - :
وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ
[ 2 / 253 ] .
هامش
( 1 ) راجع علل الشرايع : 2 .
( 2 ) بحار الأنوار : باب فضل آدم وحوا . . . : 11 / 103 . الدر المنثور : 1 / 47 .
( 3 ) بحار الأنوار : الباب السابق : 116 .