لهلاكه ، ورب جاهل مذنب يكون تحسّره وحزنه على قصوره وعصيانه سببا لنجاته
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
.
فهؤلاء لما ظنوا انهم استخدموا لأجل المساكين أو لأجل اللّه تحيرت عقولهم وضلّت أفهامهم فقالوا : لا حظّ لنا في المساكين ، ولا حظّ للّه فينا وفي أموالنا « أنفقنا أو أمسكنا » . ولم يعلموا أن المسكين الآخذ لمالك يزيل - إذ يقلّل - حبّ البخل وحب الدنيا من باطنك ، فإنه مهلك لك ، فهو كالحجّام يستخرج الدم من عروقك ليخرج العلة المهلكة من باطنك .
ولما كانت الصدقات مطهّرة للبواطن ومزكاة لها عن خبائث الصفات ، وغسّالة لذنوبهم - لأن بالمال يتمكّن الإنسان من المعاصي - امتنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم من أخذها وانتهى عنها ، كما نهى عن كسب الحجّام ، وسمى الصدقات أوساخ أموال الناس وشرّف أهل بيته بالصيانة عنها .
فهذا هو القول الكلي والسبب العقلي في وجوب الإنفاق ، وقد سبق إن الأعمال مؤثرات في القلب ، والقلب بحسب تأثيرها يستعد إما لقبول الهداية ونور المعرفة والإلهام ، وإما لقبول الغواية وظلمة الجهل والوسواس ، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى :
وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ
[ 69 / 37 ] إشارة إلى حال عاقبة عمّال الزكاة ومتولّي الأوقاف الذين يأكلون حقوق المساكين من غير استيهال ولا اضطرار .