مكاشفة
هذه الآية كنظائرها مشتملة على إشارات إلى فوائد نفيسة من علم المبدإ والمعاد ، وتنبيهات على فوائد شريفة من معرفة سلوك طريق الآخرة وأخذ الزاد ينبغي التنبيه عليها :
الأولى :
الإشارة إلى كيفية إرسال الرسل وإنزال الكتب ، وبيانه : إن سعادة الإنسان منوطة بأمرين : أحدهما الاطلاع على الحقائق والمعقولات بالعلوم الكلية .
وثانيهما الاتصاف بالصفات المحسنات والتنزّه عن القيود والمضايق السفليات بالآراء العلمية .
وهذه الكمالات مما يخلو الإنسان في أول الحدوث لكونه ضعيف الخلقة ، كما أشار إليه بقوله :
خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
[ 4 / 28 ] بل فائضة عليه من اللّه تعالى بتوسط الملائكة العلوية ، وليس كل واحد من الناس مما تيسّر له التفطّن بالكمالات ، والاتصال بعالم العلويات إلا من أيّد بروح قدسي يتصل بفيض علوي ، ويعلم الأشياء بإلهام غيبي ومدد سماوي ، وهذا الإنسان هو « النبي » أو « الولي » وما يقبله بحسب صفاء باطنه وإشراق روحه عن الملك الملقي إليه المعارف هو « الوحي » للأنبياء أو « الإلهام » للأولياء . وستعلم الفرق بينهما .
فلا بد لهداية الخلق وإرشادهم إلى طريق النجاة وإيصالهم إلى المعاد من وجود متوسط بينهم وبين اللّه يأخذ منه العلوم والكمالات من غير تعليم بشري ، ويوصل إليهم
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
كيف ولو أخذ كل إنسان علمه من إنسان آخر - من غير أن ينتهى إلى الوحي والإلهام - لادّى ذلك إلى غير النهاية ، فلا بد من الانتهاء إلى من يأخذ العلوم والكمالات من معدن اللاهوت بلا تعلّم أو تقليد .