بركات من السماء إلى الأرض : أنزل الحديد والماء والنار والملح « 1 »
ومعنى الإنزال عند أهل المعنى الإنشاء منها ، لأن الحوادث الكونية إنما يخلق من اللّه بتوسط الأسباب الفاعلة السماوية والمواد القابلة الأرضية ، فمعنى قوله أنزلنا الحديد : أنشأناه وأحدثناه ، كقوله :
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
[ 39 / 6 ] وعلى هذا المعنى أيضا يحمل أمثال قوله :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
[ 25 / 48 ] ، فإن السماوات ليست حياضا وغدرانا للمياه ولا إصطبلا للدواب ، وإلى شبه هذا ذهب مقاتل فقال « معناه : بأمرنا كان الحديد » .
وقال قطرب : معنى « أنزلنا » هاهنا « هيّأنا » من النزل ، وهو ما يهيّأ للضيف ، أي : أنعمنا بالحديد وهيّأنا لكم .
و
قيل : « نزل آدم من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد : السندان والكلبتان والميقعة والمطرقة والإبرة » .
وروى : ومعه المرّ والمسحاة « 2 » .
وقوله :
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ
- معطوف على قوله : ليقوم الناس بالقسط - أي : ليعاملوا بالعدل وليعلم اللّه نصرة من ينصره ورسله باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح . ويحتمل أن يكون معطوفا على محذوف دلّ عليه ما قبله ، فإنه حال متضمّن تعليلا ، واللام صلة لمحذوف ، أي : أنزله ليعلم اللّه - .
وقوله :
بِالْغَيْبِ
- حال من المستكنّ في :
« يَنْصُرُهُ »
أي : ينصره ورسله غائبا عنهم بمجرد العلم الواقع بالنظر والاستدلال من غير مشاهدة حسيّة ، كما قال ابن عباس ينصرونه ولا يبصرونه .
ان اللّه قوىّ - على إهلاك من أراد إهلاكه - عزيز - منيع لا يفتقر إلى نصرة ، وإنما كلّفهم الجهاد لينتفعوا به في العاجل ، ويستوجبوا الثواب بامتثال الأمر به في الأجل ، وليجمعوا بين الرحمة في الدنيا والمغفرة في الآخرة .
هامش
( 1 ، 2 ) الكشاف : في تفسير الآية .