والمعنى - واللّه أعلم - إنه لا ريب لأهل الكشف واليقين ، العارفين بمقامات الواصلين إلى مقام اللوح النفساني والقلم العقلاني والعلم السبحاني ، ان هذا الكتاب الذي هو العقل الفرقاني والوجود المحمدي صلى اللّه عليه وآله وسلم الذي هو لوح المعارف الإلهية وقلم العلوم اللدنية ، فائض من رب العالمين بلا وسيلة من خلقه ، أو ذريعة من غيره ، بل اللّه قد أنشأه وأغناه من غيره ، وربّاه من مرتبة إلى مرتبة ، وعرج به من عالم إلى عالم ، وأسرى به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حتى بلغ غاية القصوى وارتفع إلى مقام أو أدنى ، وحيث كانت مرتبته مشتملة على جميع مراتب العوالم ، لوروده على كل نشأه وعالم ، فكان المربي له صلى اللّه عليه وآله وسلم رب العالمين ، فوقعت الإشارة إلى هذه الدقيقة في قوله
« رَبِّ الْعالَمِينَ »
تعظيما لشأنه وتكريما لامتنانه .
فالكتاب إشارة إلى ذات النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ، المعبّر عنه تارة بالقرآن لمقامه الجمعي الإجمالي العقلي ، وتارة بالفرقان لمقامه الفرقي التفصيلي النفسي ، وهما مقامان باطنيان فوق ساير المقامات النزولية والإنزالية السماوية والدنياوية ، واطلاق الكتاب على الجواهر العقلي القلمي القرآني ، أو النفسي اللوحي الفرقاني شائع ذائع في كلام اللّه تعالى وكلام أنبيائه وأوليائه عليهم السّلام كقوله تعالى
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ
[ 58 / 22 ] وقوله تعالى :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
[ 17 / 14 ]
وكقول أمير المؤمنين عليه السّلام :
وأنت الكتاب المبين الذي * بآياته يظهر المضمر
وحقيقة القرآن عند المحققين من العرفاء هو جوهر ذات النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ،
وقد سئلت بعض أزواجه عن خلقه ، فقالت في الجواب : « كان خلقه القرآن » « 1 » .
ومن تأملّ وتدبر في ألقاب كتاب اللّه في عدة مواضع من المصحف ، يعلم أن هذه الأوصاف تكون لذات روحانية مجردة عن الأجسام بحسب مرتبة ذاته ، فكما ان الإنسان حقيقة واحدة ، وله مراتب كثيرة وأسامي مختلفة يسمى في كل
هامش
( 1 ) المسند : ج 6 ص 91 و 163 .