سبحانه إلى مرتبة قوم آخرين بقوله : فصّلنا الآيات .
فقد انجلى لك - أيها المسكين - أن ما ارتسم في لوح السالك المبتدي حروف أبجد ليستعد بذلك الانتقاش بمفاد قوله تعالى :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
[ 96 / 1 ] وعند ذلك يسهل عليه معرفة القرآن وتعلم لفظه ومعناه ومنطوقه وفحواه
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
[ 54 / 17 ] .
وهذا التذكير لا يتيسّر إلا لمن دارس وتعلّم من مكتب :
« أول ما خلق اللّه نوري »
« 1 » وكان معلّمه وأستاذه مفاد
قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ادّبني ربّي فأحسن تأديبي » « 2 »
لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم ، ويعلم ما لم يكن يعلم قبل ذلك بأسباب أخر ، من فكر أو سماع أو تعلّم أو رواية ، بل بأن يكتب اللّه القرآن بقلم العقل على لوح نفسه :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ
وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ 96 / 4 ] .
وحينئذ يظهر له في هذا المكتب الذي لأطفال الأرواح وأولاد روح القدس ، وهو أبوهم ومعلمهم وأستاذهم ، ما معنى اللوح والقلم والنون وما يسطرون ، فإن العناية الربانية لما تعلقت بتربية الأطفال والأولاد الملكوتية أفاد لهم ورزقهم من تحف ذلك العالم وهدايا الجنة في كسوة الحروف المفردة والظروف المقطعة على طريق الرمزو الإشارة ، لئلا يطلع عليها الأغيار ، ممن ليس له قوة الارتقاء إلى منزل الأخيار .
اعلم أيها القاري العاري إن القرآن انزل إلى الخلق مع ألف حجاب ، لأجل فهم ضعفاء العقول والأبصار ، فلو فرض أن باءبسم اللّه مع عظمته التي كانت له نزّل إلى العرش على حالته التي كانت عليها ، لذاب العرش مع عظمته واضمحلّ ، وقوله :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ
- الآية - [ 59 / 21 ] إشارة إلى ذلك .
رحم اللّه من قال كاشفا لهذا المعنى : « كلّ حرف في اللوح أعظم من جبل
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : كتاب الإمامة ، باب بدء خلقهم وطينتهم وأرواحهم : 25 / 22 .
( 2 ) الجامع الصغير : باب الألف 1 / 14 .