والسرّ في ذلك إنهم يريدون أن يتوسّلوا بأشرف الأشياء وهو العلم باللّه وأحكامه إلى أخسّ الأشياء ، وهو الجاه والمنزلة في الدنيا والتفاخر بما فيها والركون إلى زخارفها والإخلاد إلى الأرض . وهذه أمور وهميّة باطلة كما قال اللّه تعالى :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
[ 29 / 64 ] .
وقال :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ
[ 57 / 20 ] فقد مثّل اللّه تعالى الدنيا وشهواتها في كثير من آيات القرآن بأمور وهمية باطلة يغترّ بها نفوس الجاهلين والناقصين ، كما في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً
[ 24 / 39 ] فويل لمن يعدّ نفسه من العلماء وهو في الحقيقة من الحمقى الجاهلين المغترّين بلوامع السراب الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا . فويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه .
ومثّل اللّه تعالى في القرآن بلعم بن باعورا - وكان عالما فاجرا أخلد إلى الشهوات - بالكلب حيث قال سبحانه
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
حتّى قال :
فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
[ 7 / 176 ] في الإخلاد إلى الشهوات سواء أوتي الحكمة أو لم يؤت فهو مصرّ فيها ، مخلد إليها .
وقيل : مثل علماء السوء مثل قناة الحشّ ظاهرها خضر وباطنها نتن ، ومثل قبور الكفرة والظلمة ظاهرها عامرة وباطنها اللعنة والعذاب .
همچو گور كافران بيرون حلل * وز درون قهر خدا عزّ وجلّ
وقد قيل : أقلّ درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها وكدورتها وزوالها وانصرامها ، وعظم أمر الآخرة ودوائها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها ، ويعلم إنهما متضادّ ان متفاسدان ، مهما صلحت إحداهما فسدت الأخرى ، وإنهما كالضرّتين مهما ارتضيت إحداهما أسخطت الأخرى ، فإن من لم يعلم حقارة الدنيا