قلنا : فعل الإماتة منه تعالى لكونها مستلزمة للإحياء على وجه أبقى وأشرف حسن ، كما إن الأمر بالقصاص لكونه يوجب الحياة على وجه أكثر وأصح حسن .
أو نقول : موت البدن من ضروريات 22 قوام الروح بذاتها حيّة موجودة بالفعل وإن كانت من أرواح الأشقياء المردودين وممن يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميّت .
ومما يؤيّد إن الحياة الآخرة نوع أقوى من الحياة الدنيا قوله تعالى :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
[ 50 / 22 ] إذ حدة البصر والبصيرة تدل على قوة الحياة والوجود .
قوله عز وجل : [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 3 ]
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 )
الواوات الثلاثة للجمعية ، لكن الأولى للدلالة على أنه تعالى مجمع صفتي التقدم والتأخر ، والثالثة على أنه مجمع الظهور والبطون ، والوسطى على أنه الجامع بين ذينك المجموعين - مجموع الأولية والآخرية ومجموع الجلاء والخفاء - .
وعن عبد العزيز : إن الواوات مقحمة 23 والمعنى : هو الأوّل الآخر الظاهر الباطن 24 . لأن من كان منّا أولا لا يكون آخرا ، ومن كان ظاهرا لا يكون باطنا ، وهذا يلائم القول بأن أوّليته عين آخريّته ، وظاهريّته عين باطنيّته .
وعن ابن عباس : الأول قبل كل شيء بلا ابتداء ، والآخر بعد فناء كل شيء بلا انتهاء ، فهو الكائن لم يزل ، والباقي لا يزال ، والظاهر الغالب العالي على كل شيء فكل شيء دونه . والباطن العالم بكل شيء فلا أحد أعلم منه .
وتوجيه هذا المنقول وإن كان فيه عدول عن الظاهر المفهوم إنه مأخوذ من بطن الشيء بمعنى علم باطنه ، ولهذا أردف بقوله :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
لأن العالم بوجوه الشيء عالم بما سواه .