الآخر الذي إليه ينساق وجود الأشياء سيّما بني آدم ، إذ منه صدر الوجود ولأجله وقع الكون .
وهو الآخر أيضا بالإضافة إلى سير المسافرين إليه ، فإنهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذاتهم وهويّتهم واندكاك جبل وجودهم وإنيّتهم ، فهو أول في الوجود وآخر في المشاهدة ، واللّه - عزّ اسمه - حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم قال :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ 51 / 56 ] أي : ليعرفون :
وقوله : كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف .
فدلنا على أنه الغاية القصوى لوجود العالم معروفا كما أنه الفاعل له موجودا ، ودلّنا أيضا على بعض الغايات المتوسطة الضرورية
بقوله :
لو لاك لما خلقت الأفلاك .
فالمبدأ والغاية لوجود العالم ولقاء الآخرة هو اللّه سبحانه ولذلك بنى العالم ولأجله نظمّ النظام .
قال بعض الحكماء : ولو أن أحدا من الخلق عرف الكمال الذي هو الخير الأقصى ، ثم كان ينظّم الأمور التي صدرت منه على الوجه الذي صدرت هي عليه وعلى مثاله حتى كانت الأمور على غاية من النظام والتمام لكان غرضه بالحقيقة هو ذات الباري ، فهو الأول والآخر بهذا المعنى أيضا .
تتميم
قد انكشف إن الموجودات العالمية 28 كلها بحسب فطرتها التي فطرها اللّه عليها متوجهة نحو غايات حقة وأغراض صحيحة ، بل الغاية في الجميع أمر واحد هو الخير الأقصى ، إلا أن هاهنا غايات وهميّة 29 زيّنت لطوائف من المكلفين ، فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ودراية ، فهؤلاء الطوائف مع وليّ الوجود ومنبع الرحمة والجود في شقاق 30 ، فهم ليسوا عباد اللّه في الحقيقة ولا اللّه موليهم الحق ، وحيث ما يتولّونه ، فلهم لا محالة وليّ ، وهو شيطان من الطواغيت ، ولما كان