والتوسع في لذاتها وشهواتها مرتبطة بنسيان الحكمة وترك التدبّر في الآيات وفهم المعارف والبيّنات ، لقوله :
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
[ 6 / 44 ] الآية وأما قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
[ 6 / 49 ] فهو إشارة إلى عاقبة هذه اللذات الدنياوية ، فالإعراض عن الحكمة والمعرفة والتكذيب بالآيات البينات مما يفتح على النفس أبواب التنعّمات في الدنيا ، وحقيقة هذه الشهوات ليست في القيامة إلا صورة النار والحسرة والندامة ، والدنيا هاهنا متاع قليل ، وفي الآخرة عذاب شديد ، وذلك قوله تعالى :
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ
[ 2 / 126 ] .
وقس على ذلك أيضا قوله :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
[ 20 / 124 ] فإن المراد من تلك المعيشة الضنك ما هي بحسب النشأة الآخرة ، ولهذا عقبّه بقوله :
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[ 20 / 124 - 126 ] والعاقل ينبغي أن يرجع إلى ذاته ويتأمل في نفسه ، ويطرد عن باطنه التعصب والعناد والاستكبار ، والسكر الحاصل له بجاه مستحقر واشتغال بعلوم جزئية فينحصر عنده الآيات الدالة على حقيقة القرآن ووصفه ، وماهية الرسول المنزل إليه كتاب اللّه ونعته ، بحسب ما هو الداخل في قوام كل منهما غير الأوصاف الخارجة عن ملاك الأمر فيهما ، فيرى هل يجد فيها دلالة على فضلهما وشرفهما إلا من جهة مزية علمية ، وفضيلة حكمية لهما على سائر الكتب وسائر الناس ، لا أظن عاقلا في مرية من هذا .
وهي كقوله تعالى في نعت القرآن :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ 5 / 15 - 16 ] .
وكقوله في نعت الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ 62 / 2 ] .