يتكشف له ما نفس حقيقة الوجود المحض المجرد عن كل موضوع ومحل ، والمستغني عن كل سبب فاعلي أو غائي كالماهيات أو مقوّم فصلي كالأنواع ، أو مقسم كالأجناس أو مشخّص كالكلي مطلقا ، أو صوري كالمواد ، أو مادي كالصور والأعراض ، أو الجميع كالأجسام ، لأن كلّا من هذه الأمور يسقط أوليته وتقدمه فيعلم إنه بسيط الحقيقة من كل الوجوه ، غنيّ عما سواه ، مفتقر إليه ما سواه دفعا للدور والتسلسل ، فيعلم من هذا إن صفاته الكمالية عين ذاته والجميع أمر واحد فلا تكثر [ في ] الواجب بالذات ، فيكون الباري أحديّ الذات والصفات جميعا ، فيكون خالقيته بما هو ذاته ووجوده .
فإذا علم ذاته وصفاته على هذا الوجه وعلم أن ذاته وصفاته [ واحد ] يعلم أفعاله ، وأنها نهج واحد مستمر لقوله :
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
[ 33 - 62 ] فيعلم أن أول ما صدر يجب أن يكون جوهرا قدسيا ثم جوهرا آخر كذلك إلى ما شاء اللّه من سلسلة الملائكة المقدسين ، وبتوسط أولئك المقربين سلسلة أخرى من النفوس المجردة ضربا من التجرد وضربا من التعلق بالأجرام الدوارة شوقا وطربا إلى لقاء اللّه لورود الإشراقات العقلية المتتالية على ذواتهم ، لكل منها بواسطة علة مفارقة قريبة مختصة ، وذلك لاختلاف الحركات والآثار الدالة على اختلاف الوسائل لئلا ينثلم وحدة الباري جل مجده ، وبالجملة ينتقل من كل عال إلى سافل ويعرف من خاصية كل فاعل كيفية فعله وأثره إلى أن يستقصى الموجودات ويحيط بالعالم الموجود بنور مبدع الوجود ، وهذه طريقة الصديقين الذين يعرفون بنور الحق ما سواه ، ولا يستدلون على نور الوجود بهذه الظلام ، ولا على صباح الفطرة بليالي هذه الأجسام .
تتمة
ثم إن قوله تعالى
« جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
قد حسم عرق أطماع المتمنين وقلع باب اغترارات المعطّلين القاعدين عن تحصيل العلم والعرفان ، ظنا منهم ان مجرد دعوى الايمان أو التشبث بأئمة هذا المذهب أو صورة الأعمال الظاهرة يؤدي إلى نعيم الجنان ، أو رضوان من العزيز الرحمان ، من غير معرفة السبب المجازي