اشراق فرقانى
اعلم إن أسعد الخلق في الآخرة أقواهم حبا للّه وأشدهم شوقا للقائه ، فإن معنى الآخرة القدوم على اللّه ودرك سعادة لقائه ، وما أعظم نعيم المحب المستهتر إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه وتمكن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير مزاحم ومكدر ومنغص ورقيب وخوف الانقطاع ، إلا أن هذا النعيم على قدر الحب واستيلائه وشدته ، وإن لم ينفك عن أصل المحبة مؤمن ، كما لا ينفك عباده عن أصل المعرفة ، وإلا لم يكن المؤمن مؤمنا - هذا خلف - .
وإنما يحصل ذلك بشيئين :
أحدهما : قطع العلائق وإخراج حب الدنيا وما فيها من القلب ، فبقدر ما يشغل القلب بغير اللّه ينقص منه حب اللّه ويفرغ إناء قلبه عن ذكر اللّه بقدر اشتغاله بغيره ، لأن قلب كل أحد واحد :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ 33 / 4 ] والكفر عبارة عن امتلاء القلب بمحبة الباطل ، وكل ما سوى اللّه باطل دون وجهه الكريم ، والمحب التام المحبة للّه من امتلاء قلبه من محبته ، وإليه الإشارة بقوله :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
[ 6 / 91 ] بل هو معنى قول
لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
على التحقيق ، أي لا معبود ولا محبوب سواه ، ولذلك قال
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
[ 45 / 23 ]
وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : أبغض إله عبد في الأرض الهوى ، « 1 »
ولذلك
قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « من قال لا إله إلا اللّه مخلصا وجبت له الجنة »
ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه للّه ، فلا يبقى فيه شركة لغير للّه ، ومن هذا حاله فالدنيا سجنه ، لأنها مانعة له عن مشاهدة محبوبه ، وموته خلاصه من السجن وقدومه على محبوبه .
هامش
( 1 )
في الدر المنثور ( 5 / 73 ) : قال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) : ما تحت ظل السماء من اله يعبد من دون اللّه أعظم عند اللّه من هوى متبع .