واما العبادات الاختيارية التي تتعلق بقدرة العباد واختيارهم ولأجلها بعثت الأنبياء ونزلت الكتب والصحف من السماء فهي تتفاوت درجاتها واختلاف مراتبها التي لا تكاد تحصى ، من آثار الرحمة الرحيمية ومن آيات العلوية العليا ونزولاتها وشئوناتها وتطوراتها - فلا تغفل .
شرح
( 15 ) ص 143 س 16 قوله : فافهم - إشارة إلى كون جهة القرب من حضرة الوجود الحق الحقيقي ، الذي هو تمام التمامات وكمال الكمالات ونهاية النهايات في قوة كمال الوجود وشدته ، وملاكها هو قوة الوجود الإضافي وشدته ، وجهة البعد منها ومدارها ومناطها هو ضعف هذا الوجود الإضافي الذي هو تعرفه تعالى للأشياء وتجليه عليها .
فإذا بلغ هذا الوجود الإضافي في الضعف والتضعف إلى النهاية يغلب عليه وفيه جهة العدم والهلاكة ، التي هي ملاك الغيبة والخفاء والاختفاء والاحتجاب والامتناع عن الانكشاف والاباء عن الظهور والحضور ، ولما كان ملاك الشيئية في المزدوجات والمركبات من الأشياء غلبة عنصر من عناصرها ، كان العنصر الغالب فيما وقع في الدرك الأسفل من البعد العدم الابي عن الظهور والحضور ، فيكون مكان ذلك الموجود الواقع في الدرك الأسفل المتقوم بقوام البعد ، الملازم لغلبة العدم مكان عنصره الغالب ، وينسب اليه ويرجع ويعود حكمه اليه .
فانكشف من هاهنا سر نسيانه تعالى للأنفس التي غلبت على فطرتهم المكتسبة بقدرتهم وارادتهم ، ولسوء اختيارهم بعد إقامة الحجج البالغة عليهم وإنارة طريق الهدى من الضلالة ، لديهم الشقاء والشقاوة ، ورسخت في قلوبهم ريون العناد والاستكبار ، وأحاطت بها غشاوة الجهل المضاد للعقل الذي يعبد به الرحمان الواحد القهار - فهكذا ينبغي ان يفهم سر المقام وليس المراد ما يتراءى من ظاهر العبارة والكلام .