مشكاة علوم الأنبياء عليهم السلام : « اعلم انك ستعارض بأقوالك وافعالك وأفكارك ، وستظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو عملية صور روحانية وجسمانية فان كانت الحركة غضبية شهوية صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك ، وان كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ بمنادمته في دنياك ، وتهتدى بنوره في أخراك إلى جوار اللّه وكرامته » - انتهى - .
وهذا النور ما يشار اليه بقوله تعالى :
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[ 57 / 12 ] وأمثال هذا في كلام اللّه كثيرة كما سيلوح لك بفضله إن شاء اللّه .
فإذا تقرر هذا فقوله :
« ما قَدَّمُوا »
إشارة إلى تلك الأحوال النفسانية ، والارتسامات المتتالية مرة بعد أخرى قبل رسوخ تلك الصفات وصيرورتها ملكة يعسر زوالها وقوله :
« وَآثارَهُمْ »
إشارة إلى الملكات الراسخة التي هي أثر حاصل بعد انقضائها وانقطاع الاعمال المستدعية لها .
ثم لما كان هذا العالم دار التغير والزوال ، وألواح النفوس المتعلقة به قابلة للمحو والإثبات ، يمكن فيها تبديل الصفات والهيئات ، وإزالة السيئات بالحسنات ، والتوبة عن المعاصي قبل حصول الأخلاق والملكات ، وسد أبواب المغفرة عند استحكام الريون والظلمات ، وأما عند ظهور الآخرة فيستحكم الأخلاق بحيث يصير كل خلق ردى ( صورة - ن ) خلق آخر من الحيوانات ، فيحشر الناس على حسب هيئاتهم كما ورد في الحديث ، وهذا معنى قوله :
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ
. الآية - [ 99 / 6 - 7 ]