الأصل الخامس
ان الصور والمقادير كما تحصل من المبدإ بحسب استعداد القابل والجهات الانفعالية ، كذلك يتحصل منه بمجرد الجهات الفعلية وتصورات الفاعل والحيثيات الفاعلية من غير مشاركة مادة ما واشتراط حركة ما واستعداد عنصر ما ، ومن هذا القبيل وجود الأفلاك والكواكب وكليات الطبائع والأنواع 46 حيث وجدت من المبادي العقلية بمحض تصورات المبادي كيفية وجودها ونظامها وكما أن للأوهام تأثيرات في العالم الانساني أحيانا ما دامت النفس في هذه الدنيا ، فحكم تعقلات المبادي في سببيتها لوجود الاجرام والاشكال وحكم تصورات النفس في الدار الآخرة هكذا .
وان سئلت الحق فالصور الخيالية صادرة عن النفس بقوتها الخيالية ، وهي ليست موجودة في هذا العالم ، والا لرآها كل سليم الحس لأنها من جنس المحسوسات ، ولا أنها قائمة بالجرم الدماغي - كما زعمه الجمهور من الحكماء - ولا في عالم المثال - كما رآه الإشراقيون - بل هي مع عظمها وكثرتها من الاشكال والصور العظيمة على عظم الأفلاك الكلية والصحاري الواسعة والبلاد العظيمة موجودة في عالم النفس وفي صقع منها ، إذ القلب الإنساني أعظم بكثير من العرش وما حواه ، بل العرش وما حواه لو كان في زاوية من زواياه لما أحس بها ، كما ذكره أبو يزيد عن نفسه ، فهي صور موجودة لا في هذا العالم ، بل تراها النفس بباصرتها القلبية ، وتشاهدها عند تغميض هذه العين مشاهدة أصح من مشاهدتها الحسيات المادية .
واما عدم ثباتها وعدم ترتب الآثار عليها فلضعف تحصّلها الوجودي لكثرة شواغل النفس وانفعالها ساعة فساعة بما يورده الحواس الظاهرة عليها من آثار هذا العالم ، وتفرق قواها في البدن وضعف همتها وعدم جمعية خواطرها ، حتى