بالاتحاد معه كما يراه طائفة من العرفاء المحققون من الحكماء ، كفر فوريوس مقدم المشّاءين ، وصرح به أبو نصر الفارابي في كتبه ، واعترف به أبو علي بن سينا في كتابه المسمى بالمبدأ والمعاد وفي موضع من إلهيات الشفاء أيضا ، حيث قال : « ثم كذلك حتى تستوفى في نفسها هيئة الوجود كله ، فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم المحسوس كله ، مشاهدة لما هو الحسن المطلق والخير المطلق ، والجمال المطلق ومتحدة به ومنتقشة بمثاله وهيئته ، ومنخرطة في سلكه وصائرة من جوهره » انتهى « 1 » .
ومن له قدم راسخ في تحقيق الحقائق المتعلقة بمعرفة النفس يعلم أن المدرك بجميع الإدراكات والفاعل لجميع الأفاعيل الواقعة من الإنسان على سبيل المباشرة هو النفس الناطقة النازلة إلى مرتبة الحواس والآلات والأعضاء ، والصاعدة إلى مرتبة العقل الفعال في آن واحد ، وذلك لسعة دائرة وجودها وبسط جوهريتها وانتشار نورها في الأطراف والأكناف للبدن ، بل تطور ذاتها بالشؤون والأطوار ، وظهورها في مظاهر الأعضاء والقوى والأرواح ، وتنزلها بمنزل الأجسام والأشباح مع كونها من سنخ الأنوار وعالم الاسرار .
فمن هذا الأصل تبيّن وتحقق كون شيء واحد تارة مجردا وتارة ماديا ، وما اشتهر من متأخري المشاءين ان شيئا واحدا لا يكون له الا أحد نحوي الوجود - الرابطي أو الاستقلالى - غير بيّن ولا مبرهن عليه ، بل الحق خلافه ، نعم لو أريد منه أن الوجود الواحد من جهة واحدة لا يكون ناعتيا وغير ناعتي لكان صحيحا .
هامش
( 1 ) - الشفا : المقالة التاسعة من الإلهيات ، الفصل السابع : 544 .