فمن أحب اللّه ينظر إلى ما سواه من حيث هو ما سواه بنظر العداوة ، كما كان حال الخليل عليه السلام فقال :
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ
[ 26 / 77 ] .
ومن كان في الأزل أهلا لمحبة اللّه وعبوديته فما وكل إلى المحبة النفسانية الشيطانية ، بل جذبته العناية الأزلية ونظمته في سلك الكناية من قول « يحبهم » فيتجلى لهم بصفة المحبة ، فانعكست تلك المحبة لمرائي قلوبهم ، فبتلك المحبة يحبونه ، فلا تتعلق تلك المحبة بغير اللّه ، لأنها فائضة من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة ، كما قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ
[ 2 / 165 ] ولو أحب غيره لأحبه من حيث كونه وليا له ، نبيا مبعوثا من حضرته ، أو كتابا نازلا من عنده ، أو أمة قانتا للّه .
ولان الأعداء - كأهل الدنيا - أحبوا الأنداد بمحبة فانية نفسانية ، والأحباء أحبوا اللّه بمحبة باقية أزلية ، فلا محالة لما تقطعت بالموت عنهم هذه الأسباب ورأوا مبادي العذاب ، يتبرء أهل هذه المحبة الفانية بعضهم عن بعض ، كما قال تعالى :
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ
[ 2 / 166 ] ويكون حاصل أمرهم الفرقة والعداوة والتبري ، كقوله :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
[ 43 / 38 ] وقوله :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
[ 43 / 67 ] .
إذا تحققت ما ذكرناه وفهمت ما مهدناه فاعلم أن المراد من قوله : « واتخذوا من دون اللّه آلهة لعلهم ينصرون » هو اتخاذ ما سوى اللّه للمحبة النفسانية التي ترجع إلى عبادة الصور الوهمية ، إذ من أحب غير اللّه فهو لا يزال يعبده ويخدمه ويتوصل اليه ، ويتحرى الطريق إلى وصلته ، والتقرب منه والاتحاد به ، ويتصور أن الوصول اليه يستلزم النصرة له ، ويدخل السرور في قلبه ، ويوجب