كما أنه أجل من أن يلتفت إلى إزالة البيت عن نظمه الذي كان له ، وشيء من الروايتين المنقولتين ما دل على أن النبي صلى اللّه عليه وآله كان متعمدا في تغيير النظم ، بل على أنه جرى على لسانه غير النحو الذي قاله الشاعر ، فإذا اعترض عليه بذلك قال « اني لست بشاعر وما ينبغي لي » اي : ليس لي قصد إلى صورة هذا المنظوم وسائر المنظومات ، بل إلى معناه إذا كان حقا ، وما ينبغي لي أن أكون شاعرا ، اي منشيا للمعاني المتخيلة الشعرية ، ولا متعمدا إلى ملاحظة الأوزان والبحور والقوافي لجلالة شأني ورفعة مكاني عنه ، لا انه حرم اللّه عليه الشعر وجعله عاجزا عن الإتيان به ، بحيث لو أراد لم يتأت له - كما ذكره الخليل وغيره - حاشاه عن ذلك .
كيف والذوق السليم يحكم بأن القصور عن الاقتدار على إنشاء الشعر وإنشاده نقص في الفطرة ، فيستحيل على من كان في حاق الاعتدال الانساني وبحبوحة العدالة النفسانية من غير انحراف واعوجاج أصلا .
واما علم الخط والسواد فيحتاج إلى تعمل واكتساب وتكلف خارج عما فطره اللّه النفس عليه ، وكذا سائر الصناعات العملية الغير الكمالية ، المفتقرة إلى معاونة الآلات الخارجية ، وهذه بخلاف العلوم الحقيقية والأخلاق الكريمة والنبوة والحكمة ، فإنها مع كونها كمالات نفسانية ليست مما يفتقر تحققها إلى التعمّلات والاكتسابات كل الافتقار ، بل قد يتحقق بمحض الموهبة الربانية ، لأنها ليست أمورا جسمانية متعلقة بالحركات والتعمّلات على سبيل الوجوب والاضطرار .
وبالجملة - الشعر يطلق على معنيين :
أحدهما : الكلام المنظوم المعتبر فيه أحد الأوزان العروضية وترجيع
تفسير القرآن الكريم — صفحة 285
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٨٥