تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
الماهية ، ولا راجعين إلى فطرتهم الأصلية لاستحالة ذلك بالبراهين القاطعة العقلية والشواهد الناصّة ( القاطعة - ن ) النقلية ، كما استحالت في سنّة اللّه صيرورة الشيخ الكبير طفلا صغيرا . وأما قوله :
قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
[ 57 / 13 ] فهو على سبيل التهكّم بهم . واني قد رأيت من المستعدين من كان لهم بحسب الفطرة الأصلية لكلتا قوتيهم النظرية والعملية استعداد ادراك بعض المعارف الحقّة ، والاقتدار على فعل الطاعات والخيرات ، والمصابرة على ترك الفسوق والشهوات ، فصاروا بعد حين بسبب ملاقاة أهل الاغترار وملازمة الاقران السوء ، وصحبة أهل الغفلة والجهالة ، والانكباب إلى الدنيا ، والاعراض عن الحكمة في غاية الجمود والبلاهة ، والعمى عن ادراك المعقولات ، لاعتيادهم بحفظ الوساوس الوهمية ، والكلمات الواهية ، والأقوال المتناقضة الباطلة ، وفي غاية الكسل عن الخيرات والطاعات ، لانهماكهم في طلب الشهوات النفسانية ، وافناء قواهم في السعي على اقتناء المرغوبات الحسية وتحصيل الرياسات الحيوانية . وأكثر هؤلاء إذا تجاوزوا عن الأربعين وصاروا معمرين ، وأخذت قواهم في الانتكاس والذبول - كما أشير اليه في الآية التالية ، توغّلوا في الاعراض عن الحق والخوض في الباطل ، إلى أن صاروا أشد الناس عداوة للذين آمنوا بحسب الضمير والاعتقاد ، وأغلظ المعاندين والجاحدين لأهل الحق لغاية البعد عن عالم المعاد ، وأحرص الناس على حيوة هذه الدنيا كاليهود الغالب على نشأتهم أحكام الظاهر ، ومحبّة التجسم وعداوة أهل التجرد والتوحيد والروحانيين .