لذاته والملكوتيون لهم اقتدار على اختراع الصور من غير حاجة إلى مادة وموضوع تصرفوا فيها كأرباب الصنايع في صنائعهم ، ووجود المادة وعدمها مناط الفرق بين الصنع والإبداع ، فان الحاصل بالانشاء والإبداع يكون صورة من غير مادة وموضوع ، والحاصل بالصنع والتكوين صورة في مادة أو مع مادة .
لكن النفس ما دامت متعلقة بهذا البدن الكثيف الظلماني ، المركب من الاضداد لا يمكنها إنشاء الصور والاشكال التي أرادت وشاءت الا ضعيفة الكون شبحية الوجود بمنزلة الطلل والرسوم التي لا تترتب عليها الآثار المطلوبة ، ولا تكون أيضا ثابتة باقية بل دائرة زائلة ، لان مظهرها القوة الخيالية وهي دائمة التحلل والتجدد والزوال ، والانتقال من حال إلى حال حسب اختلاف أمزجة محلها ، بسبب ما يرد على الروح البخاري من المشوشات والمغيرات الخارجة والداخلة .
أولا ترى أن النفس كلما استراحت من الشواغل الضرورية وغير الضرورية والحركات اللازمة لحفظ البدن ، المجتمعة من الأمور المتضادة المتداعية إلى الانفكاك ، وتعطلت حواسها الظاهرة واحتبست عن استعمالها والاشتغال بها - اما بالنوم أو بتوجهها إلى الجنبة العالية بقوة في ذاتها نظرية أو كسبية - اغتنمت الفرصة ورجعت إلى ذاتها النورية الفياضة ، فأصبحت مخترعة للصور مشاهدة إياها بحواسها التي لها في ذاتها بلا مشاركة البدن ، فان للنفس في ذاتها بصرا وسمعا وذوقا وشمّا ولمسا من دون حاجة لها إلى البدن وقواه ، بل هي أتم وأقوى وأصفى من هذه التي في البدن ، بل هذه هي ظلال تلك وكما أن حواس البدن كلها ترجع إلى حاسة واحدة هي « الحس المشترك » فجميع حواس النفس وقواها ترجع إلى قوة واحدة وهي ذاتها النورية الفياضة
تفسير القرآن الكريم — صفحة 203
مساهمون: محمد خواجوى
ص٢٠٣