وتمامية الشيء وكماله انما يحصل له عند وصوله إلى الحالة الأصلية التي كانت له بحسب الذات إذ هي مما يوافق ذاته ويلائم طباعه ، وكل ما يكون غير تلك الحالة من سائر الحالات فهي لا محالة غريبة عن ذاتها مؤلمة لها ، والحالات الغريبة عن الشيء تزول عنه ، فيرجع الشيء آخر الامر إلى الصفة الاصليّة التي له أولا كما مر .
والحالة الأصلية للشيء ، انما تحصل له في مأواها الطبيعي ، والمأوى الطبيعي للنفوس والأرواح الانسانيّة عالم الآخرة التي هي باطن هذا العالم الظاهر ، وغيب هذه الشهادة ، وهو عالم الأرواح وموطنها الحقيقي ومعادها بحسب طبقاتها ودرجاتها ومعادنها
« الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » « 1 »
ومبادي النفوس ومواطنها مختلفة ، وكلها من عالم الملائكة النورانيّة - على كثرة طبقاتهم - وكل منها يرجع إلى أصله ان لم يزاحمها شيء من العوائق والسيئات
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
[ 17 / 84 ]
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
[ 6 / 132 ] .
فالنفوس الصالحة المرضية تحشر في زمرة الملائكة وتأوى إلى رحمة اللّه ، والنفوس الشقيّة تحشر مع الشياطين ، ممنوعة عن عالمها ، مطرودة عن باب اللّه ، محرومة عن مواطنها ، وما لم يصل النفس إلى عالمها ومعدنها لم تسكن ولم تطمئن من انزعاجها واستفزازها ، لأنها كانت في مأواها الأصلي حيّة مختارة لطيفة ، عالمة ، قادرة بقوة مبدعها وسائحة في عالمها ، فرحانة مطمئنة عند بارئها في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، فإذا هبطت من عالمها ومأواها وجنّة أبيها وانحطت إلى السفل وجولت إلى الدنيا وأجسامها المكدرة الظلمانية انقلبت
هامش
( 1 ) - المسند 2 / 539 عن النبي ( ص ) .