ثم يتدرج في التوغل في نشأة أخرى من كونه صبيّا مميزا ، ثم رجلا عاقلا ، ثم صبورا شكورا ، ثم حكيما وقورا وهكذا لا يزال في الإمعان إلى تقوية الباطن وتوهين الظاهر والتقرب إلى عالم الغيب والخروج عن عالم الشهادة يسيرا يسيرا ، فيصير كهلا ، ثم شيخا ، ثم هرما مضمحلا ، ثم فانيا ، كل ذلك بحسب طبعه وجوهره - لا بأمر اتفاقي أو عرضي أو قسرى - .
ثم إذا بطلت منه هذه الحياة الدنياويّة بطلت صورة التأليف وحصل الافتراق والانفصال .
ثم لا يبقى في هذا الانفصال أيضا ، بل يمعن البدن في الانحلال والتوجه إلى مركز الاتصال حتى ينتهي إلى الأرضية ، ثم إلى الهيوليّة والجوهرية الصرفة ويمعن النفس إذا كانت على الاستقامة في أطوارها وأحوالها حتى تبلغ الغاية القصوى التي موطنها الأصلي ، وذلك لان كل متوجه ومتحول من مرتبة إلى مرتبة ومن منزل إلى منزل بحسب الطبع فله لا محالة حيث يرتحل ويبعد من مرتبة ويتوجه ويسلك إلى مرتبة أخرى تكون غاية طبيعية ذاتية هي آخر ما يطمئن اليه ويسكن لديه ويتوطّن فيه ، ولا بد أيضا أن تكون هي أصلح الحالات وأوفقها له في ذاته ، وأنسب المراتب والدرجات وأليقها لديه بجوهره ، وما ذلك الا ما يكون مبدأ ذاته ومقّوم وجوده .
فغاية ما يسافر اليه الشيء يجب أن يكون أول ما سافر منه ، وهو الموطن الطبيعي والمعدن الأصلي - دون غيره من المراتب والغايات الإضافية والحدود التي في الأوساط لان كلا منها لو كان غاية حقيقية لما وقع التوجه منه إلى غيره توجها طبيعيا ذاتيّا - ودأب الرحمة الالهيّة أن يمسك الشيء على أشرف الحالات التي تليق به ، وأعلى المراتب التي تتصور في حقه من غير انتقال منه وارتحال عنه .
تفسير القرآن الكريم — صفحة 169
مساهمون: محمد خواجوى
ص١٦٩