رحيم ، وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين ، حتّى أن أدنى أهل الجنان وإبلههم يأكل في لحظة مقدار ما يأكل جملة أهل الدنيا من غير ملال وكلال ، ويوجد لهم في لقمة واحدة لذّات سبعين طعاما من أطعمة الدنيا وحلاواتها .
وهذه جنّة العموم - حتى البله وغيرهم - وأما جنّة المحبّين للّه فهي ما عبّر عنها بقوله تعالى :
فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي
و [ 89 / 30 ]
وقوله « 1 » : « أعدّت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » .
والحاصل أن هذه الدرجات الجنانيّة العالية ، ومقابلها من الدركات الجحيمية النازلة ، حاضرة مع هذا الإنسان في الدنيا ، والخلق غافلون عنهما إلا من أيّده اللّه بالكشف التامّ ، فيرى معهم وفي إهابهم ما لا يرى أنفسهم
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ 41 / 44 ]
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
[ 26 / 91 ]
وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ
[ 82 / 16 ] .
واعلم أن الحق تعالى إله واحد ، ورازق واحد ، وباسط واحد . ينزل منه فيض واحد ينبسط على الكل بقدر واحد من جانبه ، لكن يختلف باختلاف الأذواق والمشارب ، قوله تعالى :
فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
[ 15 / 22 ] وقوله
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
[ 13 / 4 ] فمنه عذب فرات ، لصفاء المحل وسلامة القلب ، ومنه ملح أجاج ، لكدورة المحل ، بسبب المعاصي والآثام .
والاسم الجامع للجنة والنار العام لجميع مراتبهما الموجود في العالم الكبير والصغير وما فوقهما هو « الوصال للمحبوب » و « الفراق عنه » فجنة السعداء في الحقيقة هي وصولهم إلى ما يشتهون ويحبون
فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ
[ 43 / 71 ]
هامش
( 1 ) حديث قدسي معروف وجاء في الأكثر بلفظ : أعددت لعبادي .