مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
[ 27 / 82 ] .
ولنعد إلى ما كنّا بصدده ، وليعذرني أبناء العقول السليمة ، فإن الكلام يجرّ الكلام ، وارتحلنا به إلى هذا المقام ، وكان كلامنا إن للحقائق أمثالا في العوالم بل بناء كل عالم على وجود المظاهر والأمثلة ، فإن جميع صور هذا العالم أمثلة لما في العالم الأعلى ، يظهر للنفس الإنسانية بواسطة مرائي الحواس ومظاهر المشاعر ، بل كل من كان في عالم من العوالم ، يكون ذلك العالم شهادة عنده حاضرة لديه ، وغيره غيبا عنه محجوبا عن نظره ، والخلق وثوقهم واعتمادهم على ثبوت الصور الموجودة في هذا العالم ، دون غيرها من الصور الموجودة في عالم آخر أعلى من هذا العالم ، لاختلاطهم بالحواسّ وامتزاجهم بالمحسوسات ؛ والعرفاء بخلافهم .
كما
روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال : « 1 » « أنا أعرف بأحوال السماء من أحوال الأرض »
و
قول النبي صلى اللّه عليه وآله : « 2 » « أطّت السماء ، وحقّ لها أن تئطّ . ليس فيها موضع قدم إلا وفيه [ ملك ] ساجد وراكع »
صريح في أنه صلّى اللّه عليه وآله قد علم أحوال كل شبر من أشبار السماء . وما تعلق بها من نفس وعقل عبّر عنهما بالساجد والراكع .
والعامة والظاهريون من العلماء إنما اعتمادهم على صور هذا العالم ، لعدم استطاعتهم على تجريد كل صورة عن جميع خصوصيات المواد ، فإذا تجردت صورة عن بعض خصوصيات المادة التي عاهدوها فيوشك أن ينكروها ، لإلفهم بالمادة المخصوصة ، واعتيادهم بالصور المحسوسة ، وأما العالم الراسخ فكلّما
هامش
( 1 )
في نهج البلاغة ( الخطبة : 187 ) « انا بطرق السماء اعلم منى بطرق الأرض »
وجاء أيضا بلفظ آخر في الغرر والدرر للآمدي ( باب السين - سلوني ) .
( 2 ) الدر المنثور : 5 / 293 والمسند : 5 / 173 .