تنبيه
ولكنك يا مسكين يجب أن تعلم التمييز بين المرآة والشخص ، وتفرّق الظلّ من الأصل ، وقد نبّهناك عليه قبل ذلك لئلا تقع فيما وقع فيه كثير من أهل الضلال والنكال ، وأصحاب الحلول والاتّحاد ، فما للتراب وربّ الأرباب
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ 8 / 17 ] فإذا خوطب سيّد الأبرار وقائد الأخيار صلّى اللّه عليه وآله بقوله تعالى :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ 28 / 56 ] فما يكون لأمثالك ونظرائك .
ثمّ في التعبير عن تلك المرتبة بالأمانة في قوله عز جلاله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
[ 33 / 72 ] إشعار لطيف بما ذكر ، فإنّ الأمانة مردودة إلى صاحبها ، بل كل صفة وجوديّة وكمال نوري أفاضه اللّه على ممكن من الممكنات وماهيّة من الماهيات فهو أمانة من اللّه عنده ، وليس له إلا الانصباغ بنوره والمجاورة معه والاحتفاف به ، لا الاتصاف بالحقيقة ، ولهذا ينخلع عنه عند أداء الأمانات ورجوع الكل إليه
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
[ 42 / 53 ] .
وإلى هذا المعنى أشار أبو سعيد الخرّاز حيث قال : « علامة المريد في الفناء ذهاب حظّه عن الدنيا والآخرة إلا من اللّه سبحانه ، ثم يبدو باد أيضا ، فيريه ذهاب وجود نفسه وحظّ رؤيته من اللّه ، ويبقى من رؤيته ما كان للّه من اللّه فينفرد العبد من فرديّته ، فإذا كان كذلك فلا يكون مع اللّه غير اللّه ، فبقى اللّه الواحد الصمد في الأبديّة » كما كان في الأزلية هذا كلامه - وهو تمام في فحواه لمن كان له سمع يسمع آياته ، وعقل يفهم توحيده ، وبصر يرى