فهذه الأرواح الثلاثة - أي الطبيعي والحيواني والنفساني - هي التي يبحث عنها الأطباء ، ويسمّى عندهم بالأرواح ويتميّز عندهم بالقيود الثلاثة ويتفاوت جسميّتها في اللطافة شدّة وضعفا ، وفي كمال الاعتدال ونقصه .
ولكل منها مولد ومنشأ خاصّ : فمنبع الروح النفساني الدماغ - وهو أعدل الأرواح - ومنشأ الروح الحيواني القلب الصّنوبري - وهو متوسّط في كمال الاعتدال - ومولد الروح الطبيعي الكبد - وهو أخرجها عن الاعتدال - .
وهذه الأرواح الثلاثة أشرف الأجسام العنصريّة حتى كادت أن يشبه الأفلاك ، وأما عند العرفاء فأساميها ما ذكرنا - من الصدر والقلب والروح - بحسب هذا الاستعمال في المرتبة المتوسطة .
وأما المرتبة الثالثة : فالصدر بحسب هذه المرتبة هي النفس الحيوانية التي يستعملها القلب الإنساني ، وهو في هذا المقام عبارة عن النفس الناطقة المذكورة والعقل العمليّ المذكور ، والروح عبارة عن العقل المستفاد المشاهد للمعقولات عند اتصالها بالعقل الفعّال ، وهو الملك المقدّس ، وهو قلم الحق ، كتب في ألواح قلوبنا حقائق الايمان لقوله تعالى :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ 96 / 3 - 5 ] .
فهذه الثلاثة في هذه المرتبة تكون من عالم الآخرة وعالم الغيب وعالم الملكوت ، وفي المرتبة الأولى كانت عن عالم الدنيا وعالم الشهادة وعالم الملك ، وفي المرتبة المتوسطة يقع متوسّطا بين العالمين ، برزخا بين النشأتين بمنزلة عالم الأفلاك الذي قيل : « إنه الأعراف » .
والقلب بهذا المعنى الأخير هو الذي يقال : « إنه عرش اللّه » و « مستوى اسم الرحمن » لكونه محل معرفة اللّه وملكوته على سبيل الاستقامة ، من غير اعوجاج